يونس سركوح
احتضنت مدينة أكادير في الأول من دجنبر 2025 النسخة الثانية من مبادرة “Back to Business” التي يشرف عليها مركز الاستثمار الجهوي لجهة سوس–ماسة، في إطار سعي الجهة إلى تعزيز دينامية الاستثمار واستقطاب مشاريع قادرة على دعم الاقتصاد المحلي. وقد قدم الحدث في خطابه الرسمي بوصفه منصة للرؤية المستقبلية وفضاء لتبادل الخبرات بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، مع التأكيد على أن الاستثمار بات “مسألة جماعية” يتقاسم مسؤوليتها مختلف المتدخلين.
غير أن متابعة تحقيقـ24 للحدث، حسب مصادر مطلعة حضرت الجلسات الرسمية وأروقة النقاشات الجانبية، كشفت أسئلة أعمق من الرسائل المعلنة، خاصة تلك المتعلقة بمدى استفادة النسيج المقاولاتي الصغير والمتوسط—الذي يشكل 92 في المائة من الاقتصاد الجهوي—من هذا الزخم الاستثماري. وقال مصدر من المقاولات الناشئة لـ”تحقيقـ24″ إن الصورة العامة للحدث تعكس امتدادا لنفس الشبكات الاقتصادية التقليدية التي تتحكم في المشهد منذ سنوات، مضيفا أن عددا من رواد الأعمال الشباب تابعوا المبادرة من الخارج دون أن يجدوا فيها فضاء فعليا لعرض مشاريعهم أو توسيع شبكة علاقاتهم.
ورغم أن البروتوكول الرسمي فرض حضور والي الجهة والوفد المؤسساتي في الصفوف الأمامية، وهو حضور اعتبرته مصادر تحقيقـ24 ضروريا لحماية الإطار العام للاستثمار وتثمين جهود الدولة، إلا أن المشهد خلف هذه الصفوف أثار أسئلة حول طبيعة تمثيلية الفاعلين. فقد بدت القاعة، وفق شهادات جمعتها تحقيقـ24، وكأنها فضاء شبه مغلق يهيمن عليه فاعلون تقليديون من قطاعات العقار والسياحة، بينما غاب الحضور الوازن للمقاولات الصغيرة التي تعد ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
وتوجهت الانتقادات أيضا نحو الهيئات الوسيطة، وعلى رأسها الاتحاد العام لمقاولات المغرب بفرعه الجهوي والغرف المهنية، التي اعتبرتها مصادر متابعة أنها لم تؤد دورها الترافعي كما ينبغي. وقال مصدر من داخل إحدى هذه المؤسسات إن حضورها كان “شكليا أكثر منه تمثيليا”، مضيفا أن هذه الهيئات تكرس، بطريقة أو بأخرى، انطباعا بأنها أقرب إلى تمثيل الباطرونا الكبرى، فيما تتراجع عن الدفاع عن المقاولات الصغيرة التي تواجه تحديات الولوج إلى الدعم والفرص.
وبحسب معطيات استقتها تحقيقـ24، حافظت المبادرة على نفس البنية التقليدية من حيث المتدخلين والجهات الحاضرة، ما عزز شعورا لدى عدد من الفاعلين الشباب بأن الحدث يعيد إنتاج نفس الدائرة الاقتصادية المغلقة أكثر مما يفتح آفاقا جديدة للمنافسة. وأضاف أحد رواد الأعمال أن “الخطاب يتحدث عن الانفتاح، لكن الواقع يظهر محدودية إشراك الفاعلين الجدد”.
وخلال النقاشات الجانبية، سجلت تحقيقـ24 بروز تساؤلات تعبر عن فجوة ثقة متزايدة، من بينها سؤال متكرر: “هل تكفي الكفاءة أم يجب أن أكون قريبا من حزب أو شبكة نفوذ للاستفادة؟”. ورغم وضوح الأطر القانونية التي تضمن تكافؤ الفرص دون شروط سياسية، فإن هذا الشعور، وفق مصادر متعددة، يكشف استمرار تأثير علاقات القرب الاجتماعي والاقتصادي في بعض مسارات الولوج إلى مشاريع الاستثمار.
وتشير مصادر تحقيقـ24 إلى أن مبادرة “Back to Business” تظل خطوة مهمة في مسار تطوير الاستثمار الجهوي، لكنها تحتاج إلى مراجعة منهجية جوهرية إذا أرادت التحول إلى منصة جامعة حقاً لمختلف مكونات النسيج الاقتصادي. ويتطلب ذلك تنويع المتدخلين، وإشراك المقاولات الناشئة، وتفعيل الدور التمثيلي الحقيقي للهيئات الوسيطة، واعتماد معايير شفافة في توزيع الفرص. كما أن بناء الثقة بين الفاعلين والمؤسسات لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ضمان عدالة اقتصادية تضع المقاولات الصغرى في موقعها الطبيعي كفاعل رئيسي في التنمية الجهوية.
وتبدو جهة سوس–ماسة، في ضوء هذه المعطيات، أمام مرحلة دقيقة: فإما أن تتجه نحو نموذج أكثر انفتاحا يدمقرط الاستثمار ويمنح فرصا حقيقية للجميع، أو تستمر في تكريس توازنات تقليدية تحد من التنافسية والابتكار. وبين هذا وذاك، يظل السؤال المركزي مطروحا بقوة: هل ستنجح النسخ المقبلة من “Back to Business” في فتح الباب أمام كل الطاقات الاقتصادية، أم ستبقى حكرا على الفاعلين التقليديين الذين يواصلون رسم حدود المشهد الاقتصادي في الجهة؟