اقتصاد السكة الحديدية… ثورة صامتة تغير خرائط التنمية

تحقيقـ24 تحقيقـ24

 

أصبحت شبكات السكك الحديدية في العديد من الدول الحديثة ركيزة أساسية لإحداث تحولات اقتصادية عميقة، بعدما تجاوزت وظيفتها التقليدية كنظام للنقل نحو دور أشمل يعتمد على إنتاج القيمة وإعادة تشكيل المجال العمراني والاقتصادي. فقد أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار في السكة يشكل أحد أكثر الخيارات قدرة على تحريك التنمية وتوجيهها، حين ينظر إليه ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.

يقوم اقتصاد السكك الحديدية أولا على تقليص الزمن الاقتصادي. فكل انخفاض في مدة التنقل بين مواقع الإنتاج والتسويق ينعكس ارتفاعا في الإنتاجية وتنافسية سلاسل التوريد، ويعزز القدرة على جلب الاستثمارات. لهذا تتجه الاقتصادات الصاعدة نحو ربط خطوطها بالموانئ والمناطق الصناعية والمنصات اللوجستية، بما يضمن انسجام الدورة الاقتصادية وسرعة انتقال السلع والخدمات والموارد البشرية.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في خلق القيمة حول السكة. فالمحطات الكبرى تتحول إلى مراكز عمرانية وتجارية، وترتفع القيمة العقارية للمناطق المحيطة بها، وتظهر خدمات لوجستية وتجارية وسياحية تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للمجال. ويجري ذلك في إطار ما يعرف بالتنمية المتمحورة حول النقل (Transit-Oriented Development) التي باتت خيارا تنمويا معتمدا عالميا.

وتبرز الركيزة الثالثة في الصناعات والخدمات المرتبطة بالقطاع السككي. فشبكات القطارات تتيح تطوير منظومات صناعية تشمل تصنيع العربات، وأنظمة الإشارة، والصيانة، والهندسة، والرقمنة، وهي مجالات تسهم في توطين التكنولوجيا وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة، إضافة إلى بناء سلاسل قيمة محلية تعزز استقلالية الاقتصاد الوطني.

وتكتمل صورة اقتصاد السكك الحديدية بالدور الذي يلعبه هذا القطاع في التحول الطاقي والبيئي. فهو من أكثر وسائل النقل نجاعة في استهلاك الطاقة، وأقلها من حيث الانبعاثات، ما يجعله عنصرا مهما في سياسات الانتقال الطاقي، ومؤهلا للاستفادة من التمويلات المرتبطة بالمناخ والاقتصاد الأخضر.

وفي السياق المغربي، لا يتعلق التحدي بمحدودية الإمكانات بقدر ما يرتبط بطبيعة الرؤية. فالسؤال المطروح هو ما إذا كانت مشاريع السكك تقارب باعتبارها وسائل نقل فحسب، أم بوصفها أدوات لإعادة توزيع التنمية وربط الجهات وتعزيز تنافسية الاقتصاد. فالفرق بين النموذجين هو الفرق بين مشروع ينتهي بتشييد الخط، ومشروع يمتد أثره إلى خلق قيمة اقتصادية متصلة به.

إن اقتصاد السكك الحديدية لا يقاس بعدد الكيلومترات المشيدة، بل بحجم الفرص التي تولدها تلك الكيلومترات حولها. فالسكة التي تبنى دون منظومة اقتصادية مرافقة تتحول إلى عبء، أما عندما تصبح جزءا من رؤية تنموية شاملة فإنها تتحول إلى محرك فعلي يعيد رسم خرائط التنمية على المدى الطويل.

 

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.