التفاهة في الإعلام المغربي: أسباب الصعود وتأثيراتها على المشهد الثقافي

سمية الكربة

الصحافي يونس سركوح

شهد الإعلام المغربي في السنوات الأخيرة تغيرات كبيرة في نوعية المحتوى المقدم للجمهور، حيث باتت التفاهة تتصدر المشهد الإعلامي وتحقق نسب مشاهدات خيالية على منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية. من فيديوهات قصيرة لا تحمل أي قيمة فكرية إلى برامج ترفيهية سطحية، أصبح من السهل ملاحظة كيف أن محتوى التفاهة بات يسيطر على الأذواق العامة. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الصعود؟ وما هي تأثيراته على المشهد الثقافي في المغرب؟

السوشيال ميديا: تمكين التفاهة

لا شك أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تسهيل انتشار المحتويات التافهة. فمنصات مثل “يوتيوب”، و”تيك توك”، و”إنستغرام” أصبحت مسرحًا مفتوحًا لأي شخص يريد أن يشارك محتواه دون الحاجة إلى مؤهلات فكرية أو ثقافية. هذا التمكين أتاح للمحتويات السطحية أن تجد طريقها إلى جمهور واسع، لا سيما أن منصات التواصل تعتمد على خوارزميات تدفع بالمحتويات الأكثر انتشارًا بغض النظر عن قيمتها الفكرية.

الترفيه السريع والهروب من الواقع

يتسم العصر الحديث بسرعة وتيرة الحياة وضغوطها المتزايدة، وهذا ما يجعل الجمهور يميل إلى استهلاك المحتوى السهل والسريع كوسيلة للترفيه والهروب من الضغوط اليومية. فالمحتوى التافه يوفر ذلك بشكل فوري، حيث لا يتطلب جهدًا ذهنيًا لفهمه أو التفاعل معه، مما يجعله خيارًا مفضلًا للكثيرين، وخاصة الشباب. في ظل هذه الظروف، يبدو أن الجمهور يبحث عن ترفيه يسد حاجته الآنية، بغض النظر عن عمق هذا الترفيه أو مدى فائدته.

التجارية أولًا: قيمة الإعلانات في التفاهة

المنطق التجاري لعب دورًا كبيرًا في دعم التفاهة إعلاميًا. فالمحتويات التي تحقق نسب مشاهدة عالية تجذب المعلنين، الذين يبحثون عن وصول أكبر عدد من الجمهور. في هذا السياق، تصبح نسبة المشاهدة هي المعيار الأساسي، وليس نوعية المحتوى أو أثره الثقافي. الشركات الإعلامية والمحتوى الرقمي أصبحت تركز على إنتاج محتويات سريعة الانتشار دون الالتفات إلى القيم الثقافية أو الفكرية التي تحملها هذه المحتويات.

التغيرات الاجتماعية والثقافية: التفاهة كنتاج للتحولات

المغرب، كغيره من الدول النامية، شهد تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة في السنوات الأخيرة. هذه التحولات أثرت على طبيعة الجمهور واهتماماته. ففي ظل هذه التغيرات، أصبح التركيز على القيم الثقافية والفكرية يتراجع، بينما تزداد أهمية القيم المادية والسطحية. هذه التحولات انعكست في تفضيلات الجمهور، حيث أصبح الترفيه الفوري والتسلية السطحية هما السبيلان المفضلان للهروب من تعقيدات الحياة اليومية.

قلة الدعم للمحتوى الثقافي الجاد

إلى جانب العوامل التجارية، يلعب غياب الدعم الحكومي والمؤسسي دورًا في تضاؤل المحتوى الجاد على الساحة الإعلامية. الإنتاج الثقافي والإعلامي الهادف يتطلب تمويلًا ودعمًا، سواء من الحكومة أو من المؤسسات الخاصة. ومع قلة هذا الدعم، يجد المنتجون أنفسهم مضطرين إلى التوجه نحو إنتاج محتويات ترفيهية سطحية تحقق لهم إيرادات سريعة.

التأثيرات على المشهد الثقافي

صعود التفاهة في الإعلام المغربي له تأثيرات بعيدة المدى على المشهد الثقافي في البلاد. فمن جهة، يؤدي هذا الصعود إلى تهميش المحتوى الثقافي الهادف الذي يعزز الهوية الوطنية والقيم الفكرية. ومن جهة أخرى، يسهم في تعزيز قيم سطحية تعتمد على الاستهلاك الفوري والترفيه الرخيص، مما يؤثر سلبًا على تربية الأجيال القادمة ويعزز النزعة المادية على حساب الفكر والإبداع.

مستقبل الإعلام في مواجهة التفاهة

إن صعود التفاهة في المشهد الإعلامي المغربي ليس معزولًا عن السياقات العالمية، لكنه يطرح تحديات محلية تتعلق بالحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز المحتوى الفكري الهادف. إذا لم يتم اتخاذ خطوات جدية لدعم المحتوى الجاد وتوعية الجمهور بأهمية الإعلام الثقافي والتعليمي، فإن المشهد الإعلامي قد يستمر في الانزلاق نحو التفاهة، مع ما يحمله ذلك من تأثيرات سلبية على المجتمع والثقافة.

الرهان الآن يكمن في قدرة صناع القرار والمجتمع المدني على إعادة التوازن للمشهد الإعلامي، وجعل الجودة الفكرية والعمق الثقافي أولوية، حتى لا تصبح التفاهة هي المعايير السائدة في تحديد ما يراه الجمهور وما يشاهده.

تابعنا

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.