جماعة المضيق بين تعثر تصاميم التهيئة وغياب البرامج الحكومية

تحقيقـ24 تحقيقـ24

إعداد: محمد مسير أبغور

عندما يُذكر اسم عمالة المضيق–الفنيدق–مرتيل، غالبًا ما يتم ربطها بالعاصمة الصيفية لجلالة الملك، باعتبارها منطقة تحظى بمكانة خاصة، نظرًا لتوافد وزراء ومسؤولين حكوميين ومؤسسات تابعة لمختلف أجهزة الدولة. غير أن هذه الصورة، التي تبدو لامعة من الواجهة، سرعان ما تتبدد بمجرد مغادرة الشوارع الرئيسية والتوجه نحو الأحياء العليا، خصوصًا المنطقة المحاذية للسكة بمدينة المضيق، والقريبة من الإقامة الملكية.

في هذه الأحياء، تختفي مظاهر التنمية الحقيقية، وتبرز اختلالات بنيوية عميقة، من بنية تحتية مهترئة، وتسيب معماري، وغياب رؤية حكومية واضحة لتوفير الخدمات الأساسية، بما يضمن الارتقاء بالمدينة إلى مصاف المدن السياحية الحديثة، وفقًا لمخططات وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وهو ما يعيد إلى الواجهة مشروع “تمودة باي”، الذي رُسمت معالمه خلال تولي محمد اليعقوبي مهام عامل إقليم المضيق سنة 2005، حيث تم إنجاز مشاريع بنيوية مهمة جعلت المدينة ضمن أفضل مدن الساحل الشمالي للمملكة.

غير أن مغادرة هذا المسؤول الترابي للإقليم تزامنت مع تعيين مسؤولين ترابيين لم يتمكنوا، حسب عدد من المتتبعين، من استيعاب خصوصية هذه العمالة الفتية، التي راهن عليها المغرب كوجهة سياحية منافسة للضفة الشمالية للمتوسط.

وحسب إفادات ساكنة الأحياء العليا بجماعة المضيق، فإن استمرار مظاهر اللامبالاة من طرف المجلس الجماعي، إلى جانب العراقيل التي يعرفها مشروع التسوية العقارية، الذي تشرف عليه وزارة الداخلية تحت سلطة عامل الإقليم، والذي يعرف تعثرًا غير مبرر في نظرهم، أدى إلى ركود اقتصادي واجتماعي مقلق. ويتجلى ذلك في توقف رخص البناء، والخصاص الحاد في الوعاء العقاري، وتعقيد شروط التعمير، وهو ما أفرز أزمة سكنية غير مسبوقة، وارتفاعًا كبيرًا في أسعار كراء المساكن، فضلًا عن صعوبة الاستقرار داخل المدينة.

كما أن عدم استكمال أوراش البناء والتعمير داخل أحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة، وانتشار مظاهر الهشاشة والفقر، يطرح تساؤلات جدية حول استمرار هذه التشوهات العمرانية، التي تسيء إلى المشهد العام وجمالية المدينة، وموقعها الاستراتيجي كبوابة نحو أوروبا.

وفي هذا السياق، يظل السؤال مطروحًا حول طبيعة وحجم البرامج الحكومية الموجهة للجماعة، وللعمالة عمومًا، خاصة فيما يتعلق بضرورة تسريع تدخل وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، عبر برامج تضع حدًا لاختلالات الماضي، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفتح تحقيقات موسعة لتحديد الجهات التي ساهمت في تشويه النسيج العمراني، نتيجة التحايل على القانون وانتشار البناء العشوائي خلال العقدين الأخيرين، وما نتج عنه من أحياء غير مهيكلة، تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم.

وتعاني هذه الأحياء من غياب قنوات الصرف الصحي، والاعتماد على الحفر التقليدية، وغياب الربط الفردي بالماء الصالح للشرب، والاكتفاء بالربط الكهربائي المشترك، فضلًا عن وضعية الطرق الداخلية التي لا ترقى للمعايير المعتمدة داخل الوسط الحضري.

وتبقى جماعة المضيق في حاجة ماسة إلى رؤية استعجالية تشاركية، تجمع بين المنتخبين والسلطات المحلية، مدعومة ببرامج حكومية واضحة، تقطع مع ممارسات الماضي، وتسعى إلى تحسين جمالية المدينة، عبر تسهيلات لفائدة الساكنة لاستكمال بناياتهم، وتوحيد ألوان الواجهات وفق معايير معمارية منسجمة مع المدن الساحلية المجاورة، والحد من التوسع العشوائي مستقبلاً.

ورغم المجهودات التي تبذلها السلطات المحلية، فإن صعوبة ضبط المخالفات التعميرية، واستمرار ظهور بؤر جديدة للبناء العشوائي، خاصة في المناطق النائية القريبة من النفوذ الترابي لمدينة تطوان، يثير مخاوف حقيقية، في ظل تضاريس معقدة وصعوبة الولوج، واستغلال فترات الليل لممارسة البناء غير القانوني، مع اتهامات بتغاضي بعض أعوان السلطة، واستغلال غياب المراقبة الكافية من طرف المصالح المختصة بالتعمير.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.