في قلب الأطلس المتوسط، لا تُختزل الذاكرة الأمازيغية في الرواية الشفوية وحدها، بل تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية؛ في الألوان والأدوات والملابس، وفي كل ما راكمته الأجيال من أنماط عيش ظلت شاهدة على علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي والثقافي. إنها ذاكرة قد تبدو صامتة أحياناً، لكنها قادرة على استحضار عوالم كاملة من القيم والرموز والدلالات.
وفي هذا السياق، شكل معرض إثنوغرافي احتضنه المركز الثقافي أبو القاسم الزياني بمدينة خنيفرة، نهاية الأسبوع الجاري، محطة ثقافية لإعادة قراءة التراث الأمازيغي خارج منطق الاحتفاء العابر، عبر رحلة بصرية تقرب الزائر من أسلوب عيش ساكنة الأطلس المتوسط، وتبرز مهارة الصانع التقليدي في تطويع عناصر الطبيعة وتحويلها إلى أدوات تجمع بين الوظيفة والجمال والرمزية.
وضمت أروقة المعرض قطعاً متنوعة من الألبسة التقليدية والأدوات الإثنوغرافية واللوحات الفنية وحروف تيفيناغ، حيث قُدمت باعتبارها شواهد حية على نمط حياة متكامل، وليس مجرد تحف جامدة معزولة عن سياقها الاجتماعي والثقافي.
وفي تصريح بالمناسبة، أوضح أحمد حميد، عضو مؤسسة روح أجذير الأطلس، أن هذا المعرض يندرج ضمن سلسلة من الأنشطة الثقافية الهادفة إلى تعريف الزوار والمهتمين بالتنوع الثقافي والتراث الأمازيغي الذي يميز ساكنة الأطلس المتوسط، وتمكينهم من استكشاف عمقه والوقوف على مظاهر العيش التي طبعت الحياة اليومية بإقليم خنيفرة.
وأضاف أن اختيار العرض الإثنوغرافي جاء لإبراز الذاكرة اليومية للمنطقة، باعتبارها فضاء تاريخياً عرف التنوع والتعايش والتمازج الثقافي، مؤكداً أن القطع المعروضة تعكس علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته، قوامها العمل والصبر والابتكار.
ومن خلال هذا الموعد الثقافي، أتيح للزوار الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية كما عاشتها ساكنة المنطقة، عبر إبراز عناصر ارتبطت بالمجال المنزلي والحرفي والفلاحي، من بينها الزربية الزيانية الشهيرة، ومكونات المطبخ التقليدي، وأدوات الاستعمال اليومي التي كانت تؤطر إيقاع العيش داخل الأسرة والمجتمع.
ويأتي تنظيم المعرض في سياق تخليد رأس السنة الأمازيغية 2976، حيث حرص المنظمون على تحويل المناسبة إلى فرصة للتأمل في دلالاتها العميقة وربط طقوسها بالذاكرة التاريخية والاجتماعية للمنطقة، بدل الاكتفاء بمظاهر احتفالية ظرفية. كما شكل حضور الفن التشكيلي بعداً مكملاً لهذا الحدث الثقافي، عبر تفاعل الألوان والرموز الأمازيغية مع الإبداع المعاصر.
وفي هذا الإطار، أكد المحجوب نجماوي، رئيس جمعية لمسات فنية، أن مشاركة الجمعية في هذا المعرض ترمي إلى إبراز اهتمام الفن التشكيلي بالثقافة الأمازيغية باعتبارها موروثاً حضارياً غنياً، يتيح للفنان مجالات واسعة للاشتغال والتعبير.
وأضاف أن حروف تيفيناغ، والزربية، والأزياء الأمازيغية بألوانها الزاهية ورموزها التعبيرية، تستقطب عين المتلقي قبل الفنان، لما تحمله من حمولة جمالية ورمزية، معتبراً أن هذا التفاعل يعكس قدرة الثقافة الأمازيغية على التجدد والاستمرار.
ويعكس هذا المعرض، المنظم من طرف مؤسسة روح أجذير الأطلس بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين ومدنيين، توجهاً متنامياً نحو تثمين التراث الأمازيغي باعتباره رصيداً ثقافياً حياً وعنصراً أساسياً من عناصر الهوية المغربية، الغنية بتعدد روافدها وتنوع تعبيراتها.