في كرة القدم، لا تُقاس النجاحات دائمًا بالكؤوس وحدها، بل تُقاس بما يُزرَع في النفوس، وبما يُبنى من هوية، وبما يُقدَّم من صورة مشرفة لوطنٍ كامل. ومن هذا المنطلق، يحقّ لنا اليوم أن نقف وقفة تقدير واحترام أمام ما حققه الناخب الوطني وليد الركراكي رفقة المنتخب المغربي خلال كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، رغم خسارة النهائي، لأن ما قُدِّم كان أكبر من مجرد نتيجة.
منذ المباراة الأولى، ظهر المنتخب المغربي بوجهٍ تصاعدي واضح، أداءً وتكتيكًا وانسجامًا. قرأ وليد الركراكي المنافسين بذكاء، وأدار المباريات بحنكة، معتمدًا على طاقم تقني متكامل، اشتغل في صمت وباحترافية عالية، ونجح في إعداد اللاعبين بدنيًا وذهنيًا ونفسيًا، وهو ما انعكس على الروح القتالية العالية داخل المستطيل الأخضر.
لقد شاهدنا منتخبًا يلعب بروح واحدة، يتقدم خطوة بعد خطوة، ويكبر من مباراة إلى أخرى، حتى بلغ النهائي عن جدارة واستحقاق. ورأينا لاعبين كبارًا يجسّدون معنى القميص الوطني في كل لمسة وكل هدف: أشرف حكيمي بقلبه قبل قدميه، إبراهيم دياز بموهبته وجرأته، نصير مزراوي بثباته، وبقية العناصر التي لعبت بفرح الانتصار وبدموع الإخلاص، لأنهم كانوا يلعبون من أجل المغرب، لا من أجل أنفسهم.
صحيح أن النهائي لم يُتوَّج بالكأس، لكن هذه هي كرة القدم: لا تعترف بالمنطق دائمًا، ولا تُكافئ الأفضل في كل مرة. الخسارة كانت مؤلمة، لكنها لم تكن نهاية الحلم، بل درسًا إضافيًا في الروح الرياضية، وفي تقبّل النتائج مهما كانت قاسية.
ولا يمكن الحديث عن وليد الركراكي دون التذكير بإنجازاته التاريخية:
سلسلة 19 مباراة دون هزيمة، وهو رقم قياسي يؤكد الاستمرارية لا الصدفة.
المرتبة الرابعة عالميًا في كأس العالم قطر 2022، إنجاز غير مسبوق عربيًا وإفريقيًا، جاء على حساب عمالقة أوروبا وأمريكا اللاتينية، وبأسلوب تكتيكي محكم شهد له العالم.
اختياره ضمن أفضل أربعة مدربين في العالم، وهو اعتراف دولي بقيمة الرجل قبل نتائجه.
ورغم كل هذا، خرجت أصوات إعلامية ناكرة، انتقدت اختياراته منذ الدور الأول، وشكّكت في التشكيلة، وضغطت عليه بلا هوادة. وحين انتصر المنتخب وتأهل إلى ربع النهائي ثم نصف النهائي، خفّ الضغط مؤقتًا، ليعود بعد النهائي وكأن كل ما سبق لم يكن. وهذا ظلم لا يليق بمدربٍ أعطى للمنتخب المغربي هوية وكرامة وفرحًا للشعب.
نعم، وليد الركراكي ليس معصومًا من الخطأ، ولا يوجد مدرب متكامل أو خطة مثالية بنسبة 100%. حتى أعظم المدربين في تاريخ الكرة أخطأوا، لأن الكرة لا تُلعب بالحسابات وحدها، بل بلحظة، بتفصيل صغير، بحظٍ أحيانًا، وهذه هي كرة القدم.
كما لا يمكن إغفال النجاح الباهر الذي عرفه تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، والذي شهد له القاصي والداني، واعتُبر من بين أفضل – إن لم يكن أفضل – النسخ في تاريخ البطولة، باعتراف مسؤولي الفيفا والكاف، وضيوف من مختلف دول العالم. تنظيم أمني محكم، بنية تحتية عالمية، جماهير راقية، وصورة مشرّفة لبلدٍ يعرف كيف يحتضن التظاهرات الكبرى.
شكرًا لرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم،
شكرًا لكل الأجهزة الأمنية والقوات المساعدة،
شكرًا لكل من ساهم في هذا النجاح الجماعي.
قد نختلف حول بعض التفاصيل، مثل برمجة المباريات أو اختيار المدن، وقد نقول إن اللعب أمام جماهير الدار البيضاء كان سيمنح حماسًا أكبر، لكن هذه تبقى اجتهادات، والكمال لله وحده.
وفي الختام، نقولها من القلب:
شكرًا وليد الركراكي،
شكرًا للمدرب الذي رفع رأسنا،
شكرًا لمنتخبٍ لعب بروح وطن،
ولا عزاء للحاقدين والمنتظرين عند أول خطأ.
المغرب ماضٍ في طريقه، أقوى، أنضج، وأكثر جاهزية.
وعدُ 2030 قائم، والطموح أكبر،
وذلك تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
الله – الوطن – الملك
وسيظل المغرب… بلد الشرفاء، بلد القيم، بلد الإنجازات.
الصحافي :مخضار محمد