يكشف تحقيق ميداني أجرته جريدة “تحقيقـ24″، استنادا إلى شهادة مهنية دقيقة من بحار متمرس يعرف في الأوساط البحرية باسم “شعيبة”، عن ممارسات خطيرة تستنزف الثروات البحرية المغربية بطرق متحايلة وغير قانونية، رغم وجود معايير واضحة وضوابط تنظيمية منصوص عليها في القوانين والوثائق المعتمدة من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري.
ويؤكد المصدر، الذي راكم أكثر من ثلاثين سنة من الخبرة في مجال الصيد البحري، أن المعايير القانونية وإن بدت سليمة على مستوى الشكل، فإن الواقع العملي يكشف عن توظيف وسائل محظورة، تتحايل على القانون وتضرب في العمق جهود المحافظة على الثروة السمكية.
من أبرز هذه الوسائل ما يعرف في أوساط البحارة باسم “TRAPA”، وهو نوع من الشباك المحرمة قانونيا، يتم وضعه داخل الشباك المرخص بها بطريقة خفية. ويشرح “شعيبة” أن هذا الصنف من الشباك قادر على اصطياد كل شيء دون تمييز: الأسماك الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، إضافة إلى تدمير البيوض و”عشوش” الأسماك، والإضرار بالشعاب المرجانية، ما يشكل تهديدا حقيقيا للتوازن البيئي البحري.
ويحذر المتحدث من أن استمرار هذا الوضع بالوتيرة الحالية سيؤدي، في أفق سنة 2030، إلى اختفاء أنواع أساسية من موائد المغاربة، قائلا: “إذا استمرت الكارثة على هذا الشكل، فربما لن نجد حتى السردين في الأسواق.”
كما تحدث البحار المخضرم “شعيبة” عن أصناف أخرى مهددة بسبب غياب نظام حصص (Quota) واضح، أسوة بالأخطبوط. ويتعلق الأمر بالكلمار والسيبيا، وهما من أهم الأصناف المصدرة نحو الأسواق الدولية. ويوضح “شعيبة” أن المهنيين يميزون بين نوعين من السيبيا:
- Moungou: وهو النوع الغليظ الأعلى قيمة وجودة.
- Tchoucou: وهو النوع الرقيق، الأقل حجما لكنه الأكثر جودة وطلبا.
ويشدد المصدر على ضرورة إدراج هذه الأصناف ضمن نظام حصص مضبوط، حفاظا على استدامتها وضمانا لمداخيل الدولة من العملة الصعبة.
وفي جانب آخر، نبه المصدر إلى ممارسات خطيرة في قطاع الصيد البَلاجيكي (Pélagique)، المخصص عادة لاصطياد السردين والشرن والكبيلا، مؤكدا أن بعض هذه الوحدات لا تلتزم بالأنواع المحددة لها، وتلجأ إلى استعمال تقنيات صيد كاسحة تحصد كل ما في طريقها دون رقابة صارمة، وهو ما يفاقم منسوب الاستنزاف.
وحمل “شعيبة” جزءا من المسؤولية لبعض “الرويّاس” المشرفين على بواخر الصيد الساحلي، المعروف بعضها بـ”الشالوطيات” و”الجران”، معتبرا أن غياب الضمير المهني وغياب الرقابة الحقيقية يشجع على تفاقم الوضع.
وفي سياق الحديث عن المراقبة، تساءل المتحدث عن مدى دقة التفتيش الذي تقوم به الجمارك والبحرية الملكية، داعيا إلى اعتماد منهج صارم ومهني في مراقبة السفن، خاصة أن بعض الوسائل المحظورة تخفى بإتقان داخل معدات قانونية، مما يستدعي جمع الخبرة التقنية بالمراقبة الميدانية المستمرة.
ويختم المصدر مؤكدا أن تطبيق القانون بحزم على مثل هذه الممارسات سيكون له أثر مباشر على المستهلك المغربي من حيث الجودة والأسعار، كما سيعزز مكانة المغرب دوليا في مجال تصدير المنتجات البحرية.
وفي خطوة جريئة، شدد البحار “شعيبة” على أنه مستعد للوجود ميدانيا، سواء مع مصالح الجمارك أو في عرض البحر، لكشف المزيد من التفاصيل والوقائع التي تسهم في تطهير القطاع.
كما تؤكد جريدة “تحقيقـ24” أنها تتابع هذا الملف عن كثب، وأن “شعيبة” حاضر من عين المكان لكشف المستور وفضح كل التجاوزات، وذلك التزاما منها بأدوار الصحافة الاستقصائية في الدفاع عن المصلحة العامة وحماية الثروة البحرية الوطنية.
Cc