تحقيق صحافي: وثيقة سرية تعيد التوتر بين فرنسا والجزائر إلى الواجهة

تحقيقـ24 تحقيقـ24

محمد مسير أبغور

عادت العلاقات الفرنسية-الجزائرية إلى دائرة التوتر من جديد، عقب تداول مضامين تحقيق إعلامي فرنسي تحدث عن معطيات اعتُبرت حساسة، مرتبطة بما وُصف بمحاولات للتأثير على الحياة السياسية الفرنسية عبر قنوات دبلوماسية وقنصلية. ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تصعيد سياسي داخل الجزائر، تمثل في نقاش مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، وهي خطوة اعتبرها مراقبون رسالة سياسية موجهة إلى باريس ضمن سياق سياسي وتاريخي يتسم بحساسية خاصة.

ووفق ما أوردته وسائل إعلام فرنسية، فإن قناة “فرانس 2” عرضت ضمن برنامجها التلفزيوني “Complètement d’enquête” تحقيقاً استند إلى وثيقة مصنفة “سرية” صادرة عن جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، تضمنت إشارات إلى ما اعتبرته محاولات ضغط واستفزاز تستهدف منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية. وبحسب المضامين المتداولة، فإن هذه التحركات تهدف إلى التأثير على مواقف بعض المنتخبين وخياراتهم السياسية داخل فرنسا، إلى جانب ما قيل إنه سعي للتشويش على علاقات فرنسا مع شركائها داخل الاتحاد الأوروبي، ومع عدد من الدول الإفريقية ودول شمال المنطقة المغاربية.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن الاستهداف يشمل منتخبين محليين وأحياناً أبناء منتخبين ينحدرون من أصول جزائرية، وذلك عبر قنوات وُصفت بأنها ذات طابع “دبلوماسي-قنصلي”، من خلال التواصل عبر القنصليات الجزائرية داخل التراب الفرنسي. وتضيف المصادر أن هذا التواصل قد يتضمن عرض امتيازات وهدايا وحوافز مختلفة مقابل الانخراط في الترويج لخطابات وتوجهات يُقال إنها مرتبطة بأجندة سياسية محددة.
وفي شهادة وردت ضمن التحقيق، أفادت إحدى المنتخبات المحليّات بأنها تلقت اتصالات مباشرة من أشخاص قدموا أنفسهم على أنهم تابعون لأجهزة الاستخبارات الجزائرية، معتبرة أن هذه الممارسات ليست حالة معزولة، بل تشمل عدداً من المنتخبين المنحدرين من الخلفية نفسها، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن حدود النفوذ الخارجي داخل الحياة السياسية المحلية الفرنسية، وطبيعة آليات التأثير الممكنة في القرارات والمواقف العمومية ضمن مؤسسات منتخبة.

وقد أثار التقرير الإعلامي ردود فعل متفاوتة داخل الأوساط السياسية الفرنسية، حيث رأى بعض المسؤولين أن ما جرى تداوله يمثل مؤشراً خطيراً على مساس محتمل بسيادة الدولة الفرنسية، ومحاولة لتوظيف الروابط التاريخية والاجتماعية من أجل التأثير على القرار السياسي الفرنسي، خاصة في ظرف داخلي يتسم بتوازنات دقيقة وحساسية متزايدة تجاه قضايا الهوية والانتماء والخطاب السياسي المرتبط بالجاليات.
وفي مقابل ذلك، شددت أصوات أخرى على ضرورة التعامل مع الملف بمنطق مؤسساتي وقانوني، بعيداً عن التوظيف السياسي أو التصعيد الإعلامي الذي قد يؤدي إلى مزيد من التوتر بين البلدين. وتشير معطيات متداولة في الإعلام الفرنسي إلى أن أجهزة الاستخبارات الفرنسية تتابع الموضوع بدقة، من خلال تقييم حجم التحركات المنسوبة للأطراف المعنية، ودراسة الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية المنتخبين من أي محاولات ضغط أو استقطاب خارج الأطر المشروعة المعتمدة داخل الدولة الفرنسية.

ويأتي هذا الجدل في سياق دبلوماسي حساس بين فرنسا والجزائر، إذ تتقاطع فيه ذاكرة الاستعمار مع حسابات السياسة الراهنة، وتنعكس تداعياته على ملفات متعددة تشمل قضايا الهجرة والتعاون الأمني والاقتصادي، فضلاً عن النقاشات المتعلقة بالاعتراف التاريخي ومسؤولية الماضي. وبالنظر إلى تزامن هذه التطورات مع التحركات التشريعية الجزائرية الخاصة بتجريم الاستعمار الفرنسي، يرى متابعون أن هذا التحقيق قد يتجاوز كونه مادة إعلامية عابرة، ليشكل عاملاً إضافياً قد يسهم في تعقيد مسار التقارب الهش بين البلدين، إذا ما تطورت تداعياته إلى مستوى سياسي ودبلوماسي مفتوح.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.