موسم مطري يبعث الامل يعقبه توتر يعيد المنطقة الى نقطة الصفر

تحقيقـ24 تحقيقـ24

بعد عقد من الزمان من الجفاف، تنفست ساكنة جماعة المعدر الصعداء مع التساقطات المطرية الأخيرة، فقد عاد كثير من السكان الى اراضيهم، وشرعوا في حرث التربة على امل ان يشكل هذا الموسم بداية انفراج بعد سنوات عجاف.

غير ان هذا التفاؤل لم يدم طويلا، فسرعان ما ظهرت قوافل من الشاحنات المحملة بقطعان الاغنام والماعز، وعادت معها الى الواجهة اشكالية الرعي الجائر وحدود تنظيم الترحال الرعوي في المجال القروي. وهنا يطرح السؤال من جديد: هل ستعيش الساكنة السيناريو نفسه مرة اخرى؟

نظريا، يبدو ان الامور مؤطرة بنصوص قانونية وبرامج عمومية واضحة، فداخل اقليم تيزنيت تم احداث أربع مناطق خاصة للرعي، رصدت لها ميزانية ضخمة في إطار اتفاقية مع دولة قطر، كما خصص حوالي 1000 هكتار بتراب الجماعة لاستقبال ما يقارب 6000 راس من الماشية، وجاء ذلك تطبيقا لمقتضيات القانون رقم 113.13 المنظم للترحال الرعوي، والذي يحدد شروط الولوج الى المجالات الرعوية والمراعي الغابوية.

ويفترض في هذا الإطار القانوني ان يحمي الاراضي المزروعة، كما يفترض ان يوجه القطعان نحو فضاءات مضبوطة، ومن المفروض ايضا مراقبة مسارات التنقل ومنع اي دخول عشوائي قد يلحق الضرر بالسكان المحليين.

غير ان الواقع الميداني لا يعكس هذه المقتضيات، اذ استقر الرحل الذين حلوا بالمنطقة خارج المجالات المخصصة للرعي، دون سند قانوني واضح ولا احترام للأعراف المحلية، وجاء ذلك رغم تجهيز هذه المناطق بحفر ابار وتسييجها وغرسها بالأشجار من طرف المديرية الاقليمية للفلاحة.

ولا تقف خطورة الوضع عند حدود اتلاف المزروعات فحسب بل تتعداها، حسب مختصين الى تراجع الغطاء النباتي، وانجراف التربة، واستنزاف الموارد الطبيعية، كما تساهم في تسريع وتيرة التصحر الذي تعاني منه المنطقة أصلا، وهو ما يهدد استدامة المجال القروي على المدى المتوسط.

وامام هذه الوضعية، وبالنظر الى حساسية المرحلة، يبرز مطلب تعبئة جماعية تشمل المجتمع المدني والمنتخبين والسلطات المختصة. كما يقتضي الامر تحسيس المتضررين بحقوقهم القانونية وتشجيعهم على اللجوء الى المساطر القضائية، وذلك بدل الدخول في احتكاكات مباشرة قد تتطور الى توترات اجتماعية.

فالقانون رقم 113.13، فضلا عن تنظيمه لمسارات الترحال ينص على جزاءات زجرية في حالة المخالفة، ومن بينها غرامات مالية قد تصل الى 20000 درهم، مع امكانية حجز حيوانات القطيع، وهي مقتضيات يفترض تفعيلها ميدانيا بتنسيق بين مختلف الادارات المعنية لضمان الردع والنجاعة وحماية الاراضي والساكنة.

كما يتيح القانون، وفق القواعد العامة للمسؤولية المدنية، للمتضررين تقديم شكايات والمطالبة بالتعويض عن الاضرار التي تلحق بمحاصيلهم واراضيهم، ويخول للجمعيات الترافع باسم الساكنة والدفاع عن مصالحها امام الجهات المختصة.

وختاما فجماعة المعدر تتحول ، على غرار عدد من جماعات اقليم تيزنيت، موسما بعد اخر، الى اختبار حقيقي لنجاعة سياسات تنظيم الرعي، فأما ان تنجح السلطات والفاعلون في تحويل النصوص القانونية والاستثمارات العمومية الى نتائج ملموسة تحمي الارض وتضمن السلم الاجتماعي، واما ان يستمر المشهد نفسه.

وبالنسبة للفلاح البسيط، فالقضية ليست تقنية ولا ادارية. انها مرتبطة مباشرة بمحصوله السنوي، واستقرار اسرته، ومستقبل ارض ورثها ابا عن جد، وهو يجد نفسه اليوم في مواجهة تحركات غير منضبطة لقطعان كبيرة من الاغنام والماعز تجتاح الحقول، وهي مشاهد تعيد الى الواجهة مخاوف اسر راكمت عبر السنوات تجارب قاسية مع هذه الممارسات التي تمس بشكل مباشر حقها في استغلال اراضيها بأمان.

ولهذا يبقى الرهان اليوم هو الانتقال من التشخيص الى الفعل، ومن الوعود الى حلول عملية تحمي الانسان قبل كل شيء.

الأستاذ البُوزَرِ عبد الرحيم

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.