ريم أبغور
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وبإشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، احتضنت قاعة سينما إسبانيول بمدينة تطوان حفل افتتاح الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح، المنظم خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 23 أكتوبر 2026، في موعد ثقافي وفني وطني يجمع مكونات الأسرة المسرحية المغربية، ويحتفي بتنوع التجارب الإبداعية، ويعزز مكانة المسرح باعتباره فضاءً للتعبير والحوار والتكوين والانفتاح على المجتمع.
وتندرج هذه الدورة ضمن جهود الوزارة الرامية إلى دعم الإبداع المسرحي الوطني وتعزيز إشعاعه، من خلال برنامج فني وثقافي متنوع يجمع بين العروض المسرحية واللقاءات الفكرية والمقامات الإبداعية والورشات التكوينية والتكريمات والأنشطة المواطنة، بما يسهم في مواكبة تطور الحركة المسرحية المغربية، والاحتفاء بمنجزاتها وذاكرتها، والانفتاح على قضاياها الراهنة وآفاقها المستقبلية.
حفل الافتتاح.. فقرات فنية وتكريم أسماء بارزة في المسرح المغربي
استُهل حفل افتتاح المهرجان بفقرات فنية أحيتها مجموعة «هوبا هوبا سبيريت»، إلى جانب كلمات رسمية، من بينها كلمة ممثل وزارة الشباب والثقافة والتواصل، السيد هشام العبقري، وكلمة مدير المهرجان، التي تندرج ضمن تقديم الخطوط العامة لهذه الدورة وبرنامجها الثقافي والفني.
وشهد حفل الافتتاح تكريم عدد من الأسماء الفنية التي بصمت مسارها في مجالات المسرح والفن والثقافة، ويتعلق الأمر بالفنانة سعيدة باعدي، والفنان محمد النشناش، والفنان والمخرج المسرحي محمد خميس، والفنان المسرحي عبد الصمد الكوكبي، إضافة إلى الفنان والممثل بلعيد أكرديس.
وتندرج هذه المبادرة في إطار ثقافة الاعتراف بالعطاء الفني، واستحضار إسهامات الفنانين في إغناء المشهد المسرحي المغربي، وصون الذاكرة الإبداعية الوطنية، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على تجارب فنية أسهمت في تطوير الممارسة المسرحية.
عروض المسابقة الرسمية.. تنوع في الرؤى والتجارب الإبداعية
تحتضن خشبة المركز الثقافي بتطوان ومسرح سينما إسبانيول عروض المسابقة الرسمية، التي تشكل إحدى المحطات الرئيسية للمهرجان، بالنظر إلى ما تتيحه من فرصة للاطلاع على نماذج من الإبداع المسرحي المغربي، واستكشاف تنوع الرؤى الفنية والجمالية والمقاربات المعتمدة في الكتابة والإخراج والتشخيص والسينوغرافيا.
كما تتيح هذه العروض للجمهور فرصة متابعة تجارب مسرحية مختلفة، والتفاعل مع القضايا والأسئلة التي تطرحها الأعمال المشاركة، فضلاً عن تعزيز التواصل بين الفنانين والجمهور، وإبراز ما تزخر به الساحة المسرحية الوطنية من طاقات ومواهب وتعبيرات إبداعية متعددة.
المركز الثقافي إكليل.. فضاء للحوار الفكري والنقد المسرحي
يشكل المركز الثقافي إكليل بتطوان فضاءً لاحتضان مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية الموازية، وفي مقدمتها جلسات مناقشة عروض المسابقة الرسمية، التي تروم فتح المجال أمام الحوار النقدي وتبادل وجهات النظر بين الفنانين والنقاد والباحثين والجمهور، بما يسهم في تعميق النقاش حول التجارب المشاركة وتطوير آليات قراءة الممارسة المسرحية وتقييمها.
ويتضمن البرنامج ندوة فكرية بعنوان «المسرح في زمن الوسائط الرقمية: تحولات الإنتاج والتلقي داخل الصناعات الفنية والثقافية»، تسلط الضوء على التحولات التي يعرفها الفعل المسرحي في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والوسائط الحديثة، وتناقش طبيعة العلاقة بين الحضور الحي للمسرح والإمكانات التي تتيحها البيئة الرقمية، سواء على مستوى الإبداع أو الإنتاج أو التلقي والتواصل مع الجمهور.
كما يشمل البرنامج لقاءات لتوقيع الكتب والإصدارات المسرحية، في مبادرة تروم تعزيز حضور الكتاب والبحث والتوثيق في الحياة المسرحية، باعتبارها مكونات أساسية لتراكم المعرفة، وحفظ الذاكرة الفنية، وتبادل الخبرات والأفكار بين مختلف الأجيال.
المقامات الإبداعية.. تفاعل بين الشعر والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية
تخصص الدورة السادسة والعشرون حيزاً للمقامات الإبداعية التي يحتضنها المركز الثقافي إكليل، بوصفها فضاءات للتفاعل بين أشكال فنية وتعبيرية متعددة، تشمل الشعر والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي وفن الإلقاء.
وتتيح هذه اللقاءات إمكانات للتقاطع بين الكلمة والصوت والجسد والصورة والتشكيل، بما يعزز الحوار بين الفنون ويمنح الفنانين فرصة للتلاقي والتبادل والتجريب، كما يفتح أمام الجمهور آفاقاً لاكتشاف تجارب إبداعية متنوعة تحتفي بالخيال والحس الجمالي وروح الابتكار.
«وجوه خالدة من ذاكرة المسرح المغربي».. استحضار الرواد وصون الذاكرة الفنية
وفاءً لذاكرة المسرح المغربي ورموزه، يتضمن برنامج المهرجان معرضاً للمنحوتات النصفية تحت عنوان «وجوه خالدة من ذاكرة المسرح المغربي»، يستحضر أسماء وشخصيات أسهمت بإبداعاتها وعطائها في تشكيل تاريخ المسرح الوطني وإغناء مساراته الفنية والإنسانية.
ويشكل هذا المعرض مبادرة ثقافية وجمالية تروم صون الذاكرة المسرحية والاحتفاء بروادها، وتقريب الأجيال الجديدة من تجارب وأسماء تركت بصمتها في المشهد المسرحي المغربي، تأكيداً على أهمية ربط الحاضر بالمراحل التأسيسية ومسارات التجديد التي عرفها المسرح الوطني.
الورشات التكوينية.. رهان على تطوير المهارات ونقل الخبرات
في إطار الاهتمام بالتكوين وتبادل الخبرات، يتضمن برنامج المهرجان ورشات تكوينية في مجالات التشخيص والارتجال والتعبير الجسدي، تتيح للمشاركين فرصاً للتعلم والتجريب وتطوير المهارات الفنية، فضلاً عن الاطلاع على مقاربات وتقنيات متنوعة في الممارسة المسرحية.
ويعكس هذا التوجه حرص المنظمين على الجمع بين الاحتفاء بالمنجز المسرحي والمساهمة في تطوير أدوات العمل الإبداعي، وتشجيع المواهب والطاقات الشابة على صقل قدراتها وتوسيع آفاق اشتغالها، بما يجعل من المهرجان فضاءً للتكوين والاكتشاف، إلى جانب دوره في تقديم العروض والاحتفاء بالفن.
«المسرح المواطن».. انفتاح على المجتمع وترسيخ لقيم الإدماج
تولي الدورة السادسة والعشرون أهمية للبعد الاجتماعي والإنساني للمسرح من خلال برنامج «المسرح المواطن»، الذي يسعى إلى توسيع دائرة الاستفادة من الأنشطة الثقافية والفنية، وتقريب المسرح من فئات وفضاءات لا تكون دائماً في صلب التظاهرات الثقافية.
وفي هذا السياق، تمتد فعاليات المهرجان إلى السجن المحلي بتطوان، من خلال تقديم عرض مسرحي لفائدة نزلاء المؤسسة السجنية، في مبادرة تعكس الرهان على الثقافة والفن باعتبارهما وسيلتين للتعبير والتواصل والتفاعل الإنساني، وتعزيز حضور الأنشطة الثقافية داخل المؤسسات السجنية.
كما يشمل البرنامج أنشطة موجهة إلى جمعية «يحيى» للأشخاص ذوي التوحد، في خطوة تؤكد أهمية إتاحة الفنون والثقافة لمختلف الفئات، وترسيخ قيم الإدماج والمشاركة واحترام التنوع والاختلاف، وتعزيز دور المسرح في بناء جسور التواصل والتقارب الإنساني.
وبهذه البرمجة المتنوعة، تواصل الدورة السادسة والعشرون للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان الجمع بين الفرجة الفنية والنقاش الفكري والتكوين والانفتاح المجتمعي، في سياق يبرز أهمية المسرح باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات الثقافة الوطنية، وفضاءً لتجديد التعبير الإبداعي وتعزيز الحوار بين الفنانين والجمهور