مدير النشر: يونس سركوح
أثارت معطيات متداولة بشأن صفقة تمريض بالمركز الاستشفائي الجامعي بأكادير موجة واسعة من التساؤلات حول طرق تدبير الصفقات العمومية داخل قطاع الصحة، وحدود الالتزام بالمعايير القانونية والتنظيمية التي يفترض أن تحكم إسناد عقود ترتبط بشكل مباشر بصحة المرضى وجودة الخدمات الاستشفائية.
وتتعلق القضية، حسب ما توصلت به جريدة تحقيقـ24 من معطيات وتقارير إعلامية متداولة، بصفقة تمريض تفوق قيمتها المالية 24 مليون درهم، رست على شركة يُعرف نشاطها الأساسي في مجال خدمات التنظيف، وهو ما فتح باب النقاش حول مدى احترام شروط التأهيل القبلي وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
دفتر استشارات بشروط واضحة
وفق المعطيات المتوفرة، نص دفتر الاستشارات الخاص بالصفقة على شروط دقيقة، من بينها التوفر على خبرة مثبتة في مجال التمريض، مدعومة بشهادة إنجاز واحدة على الأقل خلال عشر سنوات، بقيمة لا تقل عن خمسة ملايين درهم. وهي شروط تُعدّ، في منطق الصفقات العمومية، ضرورية لضمان الكفاءة المهنية وجودة الخدمات داخل مرفق استشفائي جامعي.
غير أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن الشركة التي فازت بالصفقة لم يكن نشاط التمريض مدرجًا ضمن سجلها التجاري عند تاريخ تقديم عرضها، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية حول كيفية تقييم شرط الخبرة، ومدى التحقق من استيفائه خلال مرحلة فحص الملفات الإدارية والتقنية.

تسلسل زمني يثير علامات استفهام
وتزداد حدة التساؤلات بالنظر إلى المعطى الزمني المرتبط بتعديل السجل التجاري للشركة المعنية، حيث تشير المعطيات إلى أن إضافة نشاط التمريض لم تتم إلا بعد الإعلان عن فوزها بالصفقة، وتحديدًا في الرابع من دجنبر 2024.
هذا التسلسل الزمني يفتح نقاشًا قانونيًا حول مدى مشروعية اعتماد وضعية قانونية لم تكن قائمة عند تاريخ إيداع العرض، وحول الفرق بين استكمال شكلي للوثائق الإدارية، وتوفر الشروط الجوهرية للتأهيل القبلي المنصوص عليها في التشريع المنظم للصفقات العمومية.
ملاحظات حول تنفيذ الصفقة وشروط التشغيل
ولا تقف الأسئلة المطروحة عند مسطرة الإسناد، إذ تشير معطيات متداولة بخصوص مرحلة تنفيذ الصفقة إلى اختلالات محتملة على مستوى شروط التشغيل، من بينها تشغيل بعض العمال دون عقود عمل قانونية، أو اللجوء إلى عقود إدماج عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، رغم ما يُتداول عن منع هذا النوع من العقود في خدمات التمريض.
كما تُثار تساؤلات حول مستوى الأجور وساعات العمل، في ظل حديث عن أجور لا تتجاوز حوالي 2100 درهم مقابل ساعات عمل طويلة، وهو ما يستدعي، في حال ثبوته، التحقق من مدى احترام مقتضيات مدونة الشغل ودفتر التحملات الخاص بالصفقة.
حكامة الشركات وتعدد الارتباطات
الملف يثير كذلك نقاشًا مرتبطًا بحكامة الشركات المستفيدة من الصفقات العمومية، في ظل معطيات تشير إلى ارتباط الأسماء نفسها بعدة شركات، ما يفرض، من زاوية الشفافية والنزاهة، ضرورة تدقيق مؤسساتي في مدى احترام قواعد المنافسة وتفادي تضارب المصالح، دون الجزم بوجود خروقات في غياب تحقيق رسمي.
أسئلة موجهة إلى الجهات الوصية
في ضوء هذه المعطيات، تتجه الأسئلة بشكل مباشر إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وإلى إدارة المركز الاستشفائي الجامعي بأكادير، حول الكيفية التي جرى بها التحقق من احترام الشروط القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا النوع من الصفقات، خصوصًا ما يتعلق بالتراخيص المنصوص عليها في القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهن التمريض.
كما يُطرح سؤال فعالية آليات المراقبة القبلية والبعدية، ومدى قدرتها على ضمان الانتقال السليم للصفقة من مرحلة الوثائق إلى مرحلة التنفيذ، بما يحفظ سلامة المرضى وحقوق العاملين، ويصون المال العام.
بين اختلال تدبيري أم إشكال بنيوي؟
في غياب توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يبقى الملف مفتوحًا على أكثر من احتمال:
هل يتعلق الأمر باختلال تدبيري معزول؟ أم بمؤشرات أعمق تستدعي مراجعة شاملة لمساطر إسناد وتنفيذ الصفقات العمومية داخل قطاع يُفترض فيه أعلى درجات الصرامة المهنية والقانونية؟
معالجة هذا الملف، من منظور قانوني ومؤسساتي، تظل رهينة بتوضيح رسمي أو بفتح تحقيق إداري أو قضائي مستقل، كلٌّ حسب اختصاصه، مع ترتيب المسؤوليات وفق ما ينص عليه القانون، حفاظًا على ثقة المواطنين في المرفق الصحي العمومي، وضمانًا لجودة الخدمات الاستشفائية.