عبد اللطيف نحيلة على رأس المركز الثقافي بسيدي قاسم… مسار شاب يربط الثقافة برهانات التنمية الجهوية

ع . الصمد ع . الصمد

من الثانوية العسكرية الملكية الأولى إلى المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، ومن إدارة المهرجانات إلى التكوين في بروكسيل، راكم عبد اللطيف نحيلة تجربة يعود بها إلى سيدي قاسم لتولي إدارة مركزها الثقافي الجديد، في محطة تجمع بين انتمائه إلى المدينة ومسؤولية الإشراف على انطلاقة مؤسسة تستعد لاستقبال جمهورها.

 

فقد عين الفنان والمخرج والمنتج أول مدير لهذه المؤسسة التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، بما يضعه أمام ورش تأسيسي يشمل إعداد البرامج وتنظيم العمل وبناء الشراكات، إلى جانب استقطاب الجمهور وفتح المجال أمام شباب المدينة ومبدعيها للاستفادة من مرافق المركز والمساهمة في أنشطته.

 

وتفتح هذه المهمة سؤال دور المؤسسات الثقافية في التنمية الترابية، من خلال تقريب التكوين والممارسة الفنية من السكان، وتوفير فضاءات تتيح للمواهب تطوير مهاراتها داخل مدنها، وهو رهان يتصل بتثمين الكفاءات المحلية وتوسيع فرص المشاركة، ويمنح تجربة نحيلة الجديدة امتدادا يتجاوز برمجة العروض إلى مواكبة المبادرات وبناء علاقة مستمرة مع محيط المؤسسة.

تكوين عسكري وفني وخبرة في المهرجانات

 

تابع نحيلة دراسته بالثانوية العسكرية الملكية الأولى، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، حيث خصص بحث تخرجه للمسرح الوثائقي ومسرحة التاريخ، متخذا من تاريخ السلالة العلوية نموذجا لدراسة العلاقة بين المادة التاريخية والبناء الدرامي، وما تطرحه معالجة الوقائع على الخشبة من أسئلة تتصل بالذاكرة الجماعية والاختيارات الفنية.

 

وتوزع اشتغاله المهني بين التمثيل والإخراج والإنتاج، قبل أن تتسع مسؤولياته لتشمل الإدارة الفنية وهندسة المشاريع الثقافية والتواصل المؤسساتي، فانتقل بين العمل على الخشبة ومواكبة الجوانب التنظيمية للتظاهرات، بما أتاح له التعامل مع مراحل مختلفة من إنجاز المشروع الثقافي، من إعداد تصوره إلى تنسيق تنفيذه وتقديمه أمام الجمهور.

 

وضمن هذا المسار، تولى الإدارة الفنية للمهرجان الدولي لمسرح الطفل، إلى جانب إدارة البروتوكول والمراسم وإخراج حفلي الافتتاح والاختتام بالمهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط، وهي مهام جمع فيها بين التصور الفني ومتطلبات التنظيم، والعمل مع فرق فنية وتقنية ومؤسسات شريكة، في تجربة تتصل بجوانب من مسؤوليته الجديدة.

 

من بروكسيل إلى العمل الثقافي المحلي

 

في سنة 2022، استفاد نحيلة ببروكسيل من تدريب مهني متخصص في إدارة المراكز الثقافية والمسارح الكبرى، ضمن برنامج التعاون الثنائي بين المغرب وفيدرالية والونيا–بروكسيل، وشملت التجربة الاطلاع على أساليب تسيير المؤسسات الثقافية وتدبير مرافقها وإعداد برامجها وتطوير علاقتها بالجمهور، وهي مجالات تحضر في مرحلة تأسيس مركز سيدي قاسم.

وشارك كذلك في لجان تحكيم الجوائز الدولية للابتكار في السياسة، خلال دورات وارسو سنة 2023 وبرشلونة سنة 2024 وفيينا سنة 2025، فيما يواصل تكوينه بسلك الماستر في «الدراسات الدولية والمهن الدبلوماسية» بجامعة محمد الخامس بالرباط، بموازاة اهتمامه بالعلاقة بين الثقافة والدبلوماسية والسياسات العمومية وإمكانات التعاون الدولي في تطوير المشاريع.

 

وتضعه العودة إلى العمل الثقافي المحلي أمام مهمة توظيف هذه التجارب في سياق له حاجاته وخصوصياته، من خلال التعرف إلى انتظارات السكان والإنصات إلى الفنانين والجمعيات والمؤسسات التربوية، ثم ترجمة ذلك إلى برمجة قابلة للتنفيذ والاستمرار، تستفيد من الخبرات المتاحة وتمنح الفاعلين المحليين دورا في أنشطة المركز.

 

الشباب والثقافة ضمن رهانات التنمية الترابية

 

تندرج مهمة المؤسسة الجديدة ضمن سؤال عملي يتعلق بكيفية توفير برامج منتظمة تتيح للشباب التكوين والإنتاج وتقديم أعمالهم بالقرب من أماكن إقامتهم، بما يجعل الاستفادة من المرافق الثقافية مرتبطة بجودة الخدمات وتنوعها وسهولة الوصول إليها، إلى جانب قدرة المؤسسة على مواكبة المبادرات واستقطاب فئات مختلفة من الجمهور.

وفي صلة برهانات الجهوية المتقدمة، تبرز أهمية البعد المحلي في إعداد البرامج الثقافية وتثمين خصوصيات المدن وكفاءاتها، إذ يمكن لفضاءات التكوين والعرض أن تساعد الفنانين والجمعيات على تطوير أنشطتهم، وأن تمنح المواهب فرصا للتجريب والتأطير والعمل المشترك، متى توفرت لها برمجة منتظمة وشراكات تدعم استمراريتها.

 

وفي هذا الإطار، يضع نحيلة ضمن أولوياته الجمع بين الإبداع والتكوين واحتضان المواهب، مع الانفتاح على المبادرات والمقاولات الناشئة في الصناعات الثقافية والإبداعية، كما يشمل تصوره تنويع العرض الفني وتطوير الخدمات الرقمية وبناء تعاون مع المؤسسات العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بما يوسع فرص الاستفادة والمشاركة.

 

تجربة جمعوية تواكب المسؤولية الجديدة

 

سبق لنحيلة أن اشتغل على مشاريع موجهة إلى الشباب من خلال مؤسسة رحلة للفنون الحية، التي أسسها سنة 2018 وتولى رئاستها، ثم ملتقى سلام للفنون المعاصرة، الذي أطلقه سنة 2021، وقد جمعت هذه المبادرات بين التكوين وتشجيع الإبداع وتوسيع المشاركة الثقافية، وأتاحت له الاشتغال على إعداد المشاريع والتنسيق مع الشركاء.

 

وتجد هذه الخبرة امتدادا جديدا داخل مؤسسة عمومية تستعد لاستقبال جمهورها الأول، حيث تتطلب المرحلة إعداد برمجة تستجيب لحاجات المدينة وتنظيم الاستفادة من المرافق وإقامة تعاون مع الفاعلين الثقافيين والتربويين، إلى جانب توفير فرص منتظمة للشباب للتعلم والممارسة وعرض أعمالهم، وربط الأنشطة بمواعيد واضحة تتيح للجمهور متابعتها.

وبذلك، يبدأ نحيلة محطة جديدة في سيدي قاسم، ستتحدد ملامحها بما يتحقق داخل المركز من أنشطة وخدمات وفرص للمواكبة، فيما سيقاس أثر تجربته بقدرة المؤسسة على احتضان المواهب والتفاعل مع حاجات السكان، وتحويل مرافقها إلى فضاءات للعمل والإنتاج واللقاء، بما يمنح الثقافة حضورا مستمرا في الحياة المحلية.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

about us

نحن نؤثر على 20 مليون مستخدم ونعتبر شبكة أخبار الأعمال والتكنولوجيا رقم واحد على هذا الكوكب.

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.