كأس إفريقيا وما وراء المستطيل الأخضر: سوق المراهنات بالمغرب تحت مجهر الاقتصاد الرقمي

تحقيقـ24 تحقيقـ24

تتجاوز كأس إفريقيا للأمم كونها تظاهرة رياضية قارية لتتحول، في سياقها المعاصر، إلى محفز اقتصادي متعدد الأبعاد. فبينما تنصب أنظار الجماهير على نتائج المباريات وأداء المنتخبات، تتشكل في الخلفية حركية مالية متسارعة، تقودها سوق المراهنات الرياضية التي تشهد نشاطا لافتا خلال فترات البطولات الكبرى، خصوصا في ظل التحول الرقمي المتسارع.

في المغرب، يخضع الرهان الرياضي لإطار قانوني منظم تشرف عليه الشركة المغربية للألعاب والرياضة (MDJS)، باعتبارها الفاعل الرسمي المكلف بتأطير هذا النشاط وربطه بالتمويل العمومي للرياضة. ويقدم هذا النموذج بوصفه آلية توازن بين الترفيه الرياضي وتعبئة الموارد، حيث توجه نسبة من العائدات لدعم البنية التحتية الرياضية وتمويل الجامعات والأندية، بما يضفي على الرهان الرسمي بعدا اقتصاديا وتنمويا.

غير أن البطولات القارية، وعلى رأسها كأس إفريقيا، تخلق سياقا استثنائيا تتزايد فيه جاذبية منصات مراهنات رقمية دولية غير مرخصة. هذه المنصات تستثمر الزخم الجماهيري واتساع الولوج إلى الإنترنت لتقديم عروض مغرية ونسب عائد مرتفعة، ما يسهم في استقطاب فئات واسعة من المستخدمين خارج القنوات القانونية. ويؤدي هذا التحول إلى بروز سوق موازية تتحرك فيها تدفقات مالية كبيرة دون رقابة تنظيمية أو مردودية ضريبية.

ويرى مختصون في الاقتصاد الرقمي أن هذا الواقع يطرح تحديات مركبة، في مقدمتها فقدان موارد مالية محتملة للاقتصاد الوطني، إلى جانب مخاطر اجتماعية مرتبطة بضعف الحماية القانونية للمراهنين. كما يسهم انتشار الرهان غير المنظم في تسريع وتيرة تسرب العملة الصعبة، وتقويض فعالية السياسات العمومية الرامية إلى ضبط هذا القطاع.

في هذا السياق، لم تعد المنافسة تقتصر على نتائج المباريات أو حصد الألقاب، بل امتدت لتشمل السيطرة على سوق مراهنات سريع النمو، تحكمه التكنولوجيا الرقمية أكثر مما تحكمه الأطر الترابية التقليدية. ومع تسارع الابتكار الرقمي، تتزايد الضغوط على الأطر التنظيمية القائمة لمواكبة تحولات سوق تتسم بالمرونة والقدرة على تجاوز الحدود القانونية والجغرافية.

وعليه، تبرز كأس إفريقيا ليس فقط كحدث رياضي جامع، بل كمرآة تعكس تحولات عميقة في الاقتصاد الرياضي المعاصر. فخلف المدرجات المزدحمة، تدور معركة صامتة حول المال والتنظيم والسيادة الاقتصادية، في سوق باتت رهاناته تتجاوز بكثير حدود المستطيل الأخضر.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.