مزارعو القنب الهندي يلوحون بمقاطعة مشروع التقنين وسط تصاعد أزمة المستحقات المالية

تحقيقـ24 تحقيقـ24

محمد مسير أبغور

أفادت مصادر متعددة من أقاليم شمال المغرب بأن عددا من التعاونيات الفلاحية المنخرطة في مشروع تقنين الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي باتت تعبر عن استيائها من تعثر المشروع، في ظل استمرار تأخر أداء مستحقات المزارعين وتزايد المخاوف بشأن مستقبل هذا الورش الذي عُلقت عليه آمال كبيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق المعنية.

ويأتي هذا الوضع في سياق إكراهات تنموية وبيئية متراكمة تعرفها بعض مناطق إقليم شفشاون، من بينها الصعوبات المرتبطة بمشروع غرس أشجار الأفوكا، الذي أُثيرت بشأنه تساؤلات تتعلق بمدى ملاءمته للظروف البيئية المحلية، في ظل الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف، فضلا عن ملاحظات بشأن جودة الشتلات التي جرى غرسها بمنطقة تانسيفت وعدد من الجماعات القروية الساحلية بالإقليم.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تدخل عاجل من القطاعات والمؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، ووزارة الداخلية، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بالنظر إلى الأدوار التي اضطلعت بها هذه الجهات في مواكبة المشروع وإقناع المزارعين بالانخراط فيه.

وتطرح الأزمة الحالية تساؤلات بشأن مدى وفاء مختلف الأطراف بالتزاماتها، ونجاعة آليات المواكبة والتتبع والتقييم المعتمدة، خصوصا أن المشروع قدم باعتباره مدخلا لإرساء نموذج اقتصادي بديل يضمن إدماج المزارعين في دورة إنتاج قانونية، ويسهم في تحسين ظروف عيشهم والحد من الهجرة نحو المدن، التي تفاقمت تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.

وطبقا للمعطيات التي توصلت بها جريدة «تحقيقـ24»، فإن شركات أبرمت اتفاقيات مع تعاونيات فلاحية من أجل شراء منتوج القنب الهندي وتثمينه، في إطار منظومة يقدر عدد المزارعين المنخرطين فيها بنحو ستة آلاف فلاح. غير أن عددا من هذه التعاونيات، وفق المصادر ذاتها، يواجه صعوبات متواصلة في استخلاص مستحقاته المالية، رغم استمرار المزارعين في تحمل تكاليف الإنتاج وبذل الجهود اللازمة لإنجاح الموسم الفلاحي.

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن هذه الوضعية تعود إلى سنة 2024، وأن عددا من التعاونيات لا يزال، إلى حدود أكتوبر 2026، ينتظر تسوية مستحقات مالية مرتبطة بمنتوجاته الفلاحية. ويزيد هذا التأخر من حدة الاحتقان في صفوف المزارعين، الذين يؤكدون أنهم انخرطوا في المشروع بناء على التزامات واتفاقيات أُبرمت في إطار مسار التقنين، وبدعم ومواكبة من الجهات المعنية والسلطات المحلية.

ويرى عدد من الفلاحين، بحسب المصادر ذاتها، أن استمرار عدم صرف المستحقات يضعهم أمام وضعية مالية صعبة، ويهدد الثقة التي بنيت بين التعاونيات والشركات والمؤسسات المشرفة على المشروع. كما يعتبرون أن تحملهم تكاليف الإنتاج ومستلزماته لا ينبغي أن يتحول إلى عبء إضافي عليهم بسبب صعوبات التدبير أو تعثر عمليات التسويق والتثمين.

وفي المقابل، يرتبط جانب آخر من الأزمة، وفق المعطيات المتداولة، بالصعوبات التي تواجهها بعض الشركات والمختبرات في تسويق المنتوجات المرتبطة بالقنب الهندي، ولا سيما في الأسواق الخارجية وضمن القطاعات الصناعية والدوائية. وتطرح هذه الصعوبات أسئلة حول مدى جاهزية سلاسل التسويق والتثمين، وقدرة مختلف المتدخلين على توفير منافذ تجارية مستدامة قبل توسيع نطاق الإنتاج وتشجيع المزارعين على الانخراط في المنظومة القانونية.

ويثير هذا الوضع إشكالية جوهرية تتعلق بتوزيع المسؤوليات بين مختلف الأطراف، إذ إن تعثر التسويق، إن ثبتت علاقته بتأخر الأداء، لا يعفي الجهات المعنية من ضرورة توضيح الوضعية المالية والتعاقدية للتعاونيات، والكشف عن التدابير المتخذة لمعالجة الاختلالات وضمان حقوق المزارعين، وفق الالتزامات القانونية والتعاقدية المبرمة.

وأمام استمرار هذه الوضعية، تتزايد تساؤلات المزارعين بشأن دور الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي في مواكبة التعاونيات، وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاح المشروع، فضلا عن دور السلطات الإقليمية والقطاعات الحكومية المعنية في تتبع تنفيذ الاتفاقيات وتسوية النزاعات التي قد تنشأ بين المنتجين والشركات المتعاقدة معهم.

كما يطالب المتضررون بتوضيحات رسمية بشأن مصير المستحقات العالقة، والآجال المحددة لصرفها، وطبيعة الإجراءات المتخذة لضمان استمرارية المشروع وحماية المزارعين من تبعات الاختلالات المحتملة في منظومة الإنتاج والتسويق. وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذا الورش في الأقاليم المستفيدة منه.

إن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على تقنين زراعة القنب الهندي، بل يمتد إلى ضمان حكامة فعالة ومستدامة لسلسلة الإنتاج، تقوم على وضوح الالتزامات، واحترام العقود، وتأمين منافذ التسويق، وحماية حقوق المنتجين الصغار. فنجاح هذا المشروع يظل رهينا بقدرته على تحقيق عائد اقتصادي ملموس للمزارعين، بدل أن يجدوا أنفسهم أمام أعباء مالية إضافية وتساؤلات مفتوحة بشأن جدوى انخراطهم فيه.

وبين مطالب المزارعين بتسوية مستحقاتهم، والصعوبات التي يقال إنها تواجه عمليات التسويق والتثمين، تظل الحاجة ملحة إلى تدخل المؤسسات المعنية لتقديم توضيحات رسمية وشاملة، ووضع حلول عملية تعيد الثقة إلى التعاونيات وتضمن استمرارية المشروع على أسس واضحة وشفافة، بعيدا عن تبادل المسؤوليات أو ترك الفلاحين وحدهم في مواجهة تداعيات التعثر.

وتبقى هذه المعطيات في انتظار توضيحات الجهات والمؤسسات المعنية، وكذا ردود الشركات المتعاقدة مع التعاونيات، حرصا على استكمال الصورة من مختلف جوانبها وضمان حق جميع الأطراف في التعبير عن مواقفها.

 

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

about us

نحن نؤثر على 20 مليون مستخدم ونعتبر شبكة أخبار الأعمال والتكنولوجيا رقم واحد على هذا الكوكب.

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.