المحاماة بين هاجس الإصلاح ومخاطر الإضعاف.. قراءة في مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23

تحقيقـ24 تحقيقـ24

بقلم: ذ/ وسيم الطور

عضو اتحاد المحامين بأكادير.

يأتي الإضراب الوطني الذي دعت إليه جمعية هيئات المحامين بالمغرب في سياق مهني ودستوري بالغ الحساسية، ليُعبّر عن موقف جماعي رافض لمشروع قانون مهنة المحاماة رقم 65.13، الذي صادق عليه مجلس الحكومة بتاريخ 08 يناير 2026، دون أن يُحال إلى حدود الساعة على مكتب مجلس النواب. وهو إضراب لا يمكن اختزاله في كونه حركة مطلبية فئوية، بل يُجسّد صرخة دفاع عن ركائز العدالة، وعن مهنة وُجدت تاريخيًا لحماية الحقوق والحريات، وضمان شروط المحاكمة العادلة.

إن قراءة متأنية لمقتضيات مشروع القانون 65.13 تكشف أنه لا يتجه نحو تعزيز استقلالية مهنة المحاماة، بقدر ما يُؤسّس لتقويضها بشكل ممنهج، من خلال المساس المباشر بحصانة المحامي، وتضييق نطاق الحق في الدفاع، وتوسيع صلاحيات أجهزة أخرى على حساب مؤسسة الدفاع، في تعارض صريح مع الدستور وروح المواثيق الدولية ذات الصلة.

أول مظاهر هذا المساس يتجلى في توسيع صلاحيات النيابة العامة بشكل غير مسبوق، ولا سيما من خلال تخويلها إمكانية التنقل إلى مكاتب المحامين، واستصدار أوامر بتفتيشها، وهو ما يُشكّل ضربًا مباشرًا لمبدأ سرية المخابرة بين المحامي وموكله، الذي يُعد حجر الزاوية في الثقة المفترضة بين الدفاع والمتقاضي. فمكتب المحامي ليس فضاءً عادياً، بل امتداد لحرمة الدفاع، وأي مساس به خارج الضمانات الصارمة والاستثنائية يُفرغ مهنة المحاماة من جوهرها الوظيفي.

كما أن المشروع قد قلّص بشكل مقلق آجال التبليغ بالشكايات الموجهة ضد المحامي، بما لا يراعي خصوصية العمل المهني، ولا تعقيد الملفات التي يباشرها الدفاع، وهو ما يُحوّل هذه الشكايات من آلية للمساءلة إلى وسيلة للضغط والتضييق، خصوصًا في القضايا ذات الطابع الحساس أو المرتبطة بمراكز نفوذ.

ومن أخطر ما جاء به المشروع، توسيع دائرة تدخل وزارة العدل في شؤون المهنة، على نحو يُهدد استقلالها المؤسساتي، ويجعل من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – تطبيق مقتضياته في الواقع العملي دون المساس بحقوق الدفاع والمتقاضين على حد سواء. فمهنة المحاماة لا تستقيم إلا باستقلالها عن السلطة التنفيذية، وأي إخلال بهذا التوازن يُفضي حتمًا إلى عدالة مختلة.

ولم يقف المشروع عند هذا الحد، بل أقرَّ إلزامية التوكيل الكتابي في حالات موسعة، وهو ما من شأنه تقييد ولوج المواطنين إلى العدالة، خاصة الفئات الهشة، ويُفرغ الدور الاجتماعي للمحامي من محتواه، في تعارض مع مبدأ تقريب العدالة المنصوص عليه دستوريًا.

كما أقر المشروع إمكانية الطعن الشخصي في قرار الحفظ الصادر عن النقيب بشأن الشكايات، بل وأجاز للوكيل العام للملك إلزام النقيب بإحالة الملف قصد اتخاذ قرار المتابعة، مع الإحالة المباشرة على غرفة المشورة. وهي مقتضيات تُقوّض الدور التأديبي لمؤسسة النقيب، وتُفرغها من استقلالها، وتُحوّل المحامي إلى فاعل مهني تحت تهديد دائم، لا يملك الحد الأدنى من الطمأنينة اللازمة للقيام بمهامه الدفاعية.

إن مجموع هذه المقتضيات، وغيرها، تُشكّل خرقًا واضحًا للمكتسبات الدستورية التي راكمها المغرب في مجال الحقوق والحريات، وتمس بشكل مباشر بحق الدفاع كمكون أساسي من مكونات المحاكمة العادلة، كما تُضعف موقع المحامي داخل منظومة العدالة، بما ينعكس سلبًا على حماية حقوق المواطنين والمتقاضين.

إن الإضراب الذي يخوضه المحامون اليوم ليس دفاعًا عن امتيازات، بل دفاع عن وظيفة دستورية، وعن عدالة مستقلة، وعن مواطن يحتاج إلى محامٍ قوي، حر، ومحصن، ليقف إلى جانبه في مواجهة كل تعسف أو شطط. ومن ثم، فإن إعادة النظر في مشروع قانون مهنة المحاماة 65.13، عبر مقاربة تشاركية حقيقية، تظل ضرورة ملحة، لا فقط لصيانة المهنة، بل لصون دولة الحق والقانون.

وختامًا، واستحضارًا للمرجعية التاريخية والدستورية لمكانة مهنة المحاماة ، لا يسعنا إلا أن نستحضر ما قاله جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، في خطابه الموجه إلى أعضاء الأمانة والمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب، حيث خاطبهم بقوله:

“مرحبًا بكم عند قانوني مثلكم، إنني أعتز وأفتخر بتكويني القانوني، ولو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه لكنت دون شك فردًا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة.”

وهي كلمات صادقة تختزل المكانة السامية لمهنة المحاماة، وتؤكد أن الدفاع ليس وظيفة عادية، بل رسالة نبيلة وشريفة، وأن أي تشريع يمس استقلال المحامي أو يضعف حصانته إنما يُخالف هذا التوجه العميق، ويصطدم بروح الاختيارات الدستورية للمملكة المغربية الشريفة ، على حساب المواطن وحقه في الدفاع الحر، المستقل والفعّال .

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.