أعادت الواقعة التي جمعت، امس، بين البرلماني عبد الله غازي ومنشط برنامج «الحقيقة في 90 دقيقة» على إذاعة «راديو مارس»، النقاش حول أخلاقيات الخطاب الإعلامي وآداب الحوار، في ظل تداخل متزايد بين النقاش السياسي والمحتوى الرياضي داخل بعض البرامج التي تحظى بمتابعة واسعة.
وتأتي هذه الواقعة في سياق سبق أن كانت فيه «راديو مارس» موضوع قرارات وملاحظات صادرة عن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ما يجعل النقاش الحالي يتجاوز حدود الخلاف بين طرفين إلى أسئلة أوسع تتعلق بالمسؤولية المهنية، وواجب الحياد، وطريقة إدارة النقاشات التي تتناول شخصيات سياسية وفاعلين في الشأن العام.
ويطرح ما تم تداوله بشأن استعمال عبارات اعتبرها بعض المراقبين غير أخلاقية سؤالا حول مدى الالتزام بآداب الحوار الإعلامي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنقاش سياسي مباشر.
فالمنشط، إلى جانب حقه في طرح الأسئلة ومناقشة مواقف ضيفه، يظل مطالبا بالحفاظ على مستوى مهني من الحوار، واحترام المخاطب، وإتاحة المجال لتقديم وجهة نظره كاملة.
ولا يعني الالتزام بالحياد أن يتخلى الإعلامي عن النقد أو عن طرح الأسئلة الصعبة، بل يفترض أن تتم ممارسة النقد في إطار مهني يحافظ على التوازن والدقة، ويفصل بين مناقشة الأفكار والمواقف وبين التعليق على الأشخاص بطريقة قد تؤثر في موضوعية النقاش.
ويستند العمل الصحافي والإعلامي في المغرب إلى منظومة قانونية ومهنية تؤطر ممارسة حرية التعبير والنشر والاتصال، من بينها القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، فضلا عن النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للاتصال السمعي البصري، إلى جانب قواعد وأخلاقيات المهنة التي يفترض أن تشكل مرجعا في إعداد وتقديم البرامج الإعلامية.
ويكتسب دور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أهمية في هذا السياق، باعتبارها مؤسسة تضطلع بمهام تنظيمية ورقابية في مجال الاتصال السمعي البصري، وتتابع مدى احترام المتعهدين للمقتضيات القانونية والتنظيمية والأخلاقية المرتبطة بالمضامين التي تبثها وسائل الإعلام.
وسبق للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن أصدر قرارات بشأن «راديو مارس» وبرنامج «الحقيقة في 90 دقيقة». ففي قرار سابق، سجل المجلس ملاحظات مرتبطة بمضامين بثها البرنامج، وانتهى إلى توجيه إنذار إلى الشركة المقدمة للخدمة الإذاعية، في إطار اختصاصاته التنظيمية.
كما سبق للهيئة أن اتخذت قرارا آخر يقضي بتوجيه إنذار إلى الإذاعة ووقف بث البرنامج لمدة أسبوع، على خلفية مضامين اعتبرتها الهيئة مخالفة لبعض المقتضيات المرتبطة بأخلاقيات البرامج والمسؤولية الإعلامية.
ويعيد السياق السابق طرح مسألة التنظيم الذاتي داخل المؤسسات الإعلامية، ومدى قدرة هيئات التحرير على ضمان احترام قواعد المهنة قبل وصول بعض المضامين إلى مستوى يستدعي تدخل الجهة المنظمة. فالمسؤولية الإعلامية لا تقتصر على الالتزام بالنصوص القانونية، وإنما تشمل أيضا ترسيخ ثقافة مهنية قائمة على الدقة والاتزان واحترام آداب الحوار.
وبالنظر إلى الطبيعة الخاصة للإعلام الرياضي، الذي أصبح يتناول في كثير من الأحيان قضايا تتجاوز المجال الرياضي إلى السياسة والتدبير العمومي والشأن المجتمعي، فإن الحاجة إلى الفصل بين الحماس الجماهيري والالتزام المهني تظل أكثر إلحاحا.
أما بخصوص الواقعة الحالية بين عبد الله غازي ومنشط البرنامج، فإن تقييمها من الناحية القانونية أو التنظيمية يظل رهينا بما قد يصدر عن الجهات المختصة من معطيات أو مواقف رسمية، بينما يظل النقاش الصحافي في هذه المرحلة منصبا على مبدأ عام يتعلق بضرورة احترام الحياد وآداب الحوار، وضمان حق مختلف الأطراف في التعبير عن مواقفها.
وتعيد هذه الواقعة، في نهاية المطاف، سؤالا أساسيا إلى واجهة النقاش العمومي: كيف يمكن للإعلام أن يحافظ على جرأة النقد وقوة السؤال، وفي الوقت نفسه يضمن احترام القواعد القانونية وأخلاقيات المهنة وآداب الحوار؟ وهو سؤال لا يخص مؤسسة إعلامية بعينها، بقدر ما يرتبط بصورة الإعلام المهني ودوره في تأطير النقاش العام وتعزيز ثقة الجمهور.