الهامش الصامت بين تيزنيت واشتوكة بجهة سوس ماسة.. تنمية غائبة واحتقان يتصاعد.

تحقيقـ24 تحقيقـ24

يونس سركوح

تعيش مجموعة من الدواوير الواقعة بين إقليمي تيزنيت واشتوكة أيت باها بجهة سوس ماسة وضعا تنمويا معقدا، يتجسد في العزلة ونقص البنيات الأساسية والخدمات الحيوية.

وتمتد هذه الدواوير من محيط سد يوسف بن تاشفين إلى مناطق واسعة متفرقة بين جماعات رسموكة والمعدر الكبير وبلفاع وماسة وأيت ميلك، ضمن نسيج مجالي متقارب جغرافيا ومنفصل إداريا، مما عمق الهوة التنموية بينها وبين محيطها.

وتشمل هذه الدواوير على سبيل المثال لا الحصر: أزرو، أفراك، أورير، توريرت، أيت ويديرن (جماعة رسموكة، إقليم تيزنيت)، أگادير إزويكا، أيت إبورك، تيبوزار، مركز إزويكا، القسبات، القسبت، إبرهيشن، أيت أومريبط (جماعة المعدر الكبير، إقليم تيزنيت)، بالإضافة إلى دوار أشغرغيد وتولعسري الذي ينتمي نصفه لجماعة بلفاع ونصفه الآخر لجماعة أيت ميلك، ودوار إبنون التابع لجماعة أيت ميلك.

كما تشمل المنطقة دواوير تيگرتر، توفارس، إمجاض، عگربان، أيت زگارت، قصبة سطايح، أدوار، بيحونا، العزيب (جماعة بلفاع)، ودوار المرس ودوار العرب (جماعة ماسة، إقليم اشتوكة أيت باها).

ويؤكد عدد من الفاعلين المحليين أن هذا التشتت الإداري يشكل أحد أبرز أسباب تأخر التنمية في المنطقة.

فالكثافة السكانية لكل جماعة على حدة تبدو ضعيفة وفق المعايير الإدارية، ما يحد من أهلية إنشاء مؤسسات تعليمية وصحية أو برمجة مشاريع مهيكلة.

غير أن جمع ساكنة جميع هذه الدواوير، باعتبارها مجالا مترابطا جغرافيا واجتماعيا، يكشف عن كتلة ديموغرافية كبيرة تستحق تنمية عادلة ومشاريع قائمة بذاتها.

ويبرز هذا الإشكال بشكل واضح في قطاع التعليم، حيث يضطر تلاميذ الدواوير التابعة لإقليم اشتوكة أيت باها إلى قطع ما يناهز 20 كيلومترا يوميا للوصول إلى الإعداديات والثانويات، في ظل غياب النقل العمومي المنتظم واستنزاف ميزانيات الأسر الهشة.

وفي المقابل توجد “ملحقة إعدادية إزويكا” التي تبعد عنهم بين 1 و5 كيلومترات فقط، لكنها تابعة إداريا لإقليم تيزنيت، مما يمنع توسيع خدماتها لتشمل جميع الدواوير المحيطة بها رغم الحاجة الموضوعية لذلك.

ويقترح فاعلون محليون ترقية هذه الملحقة إلى إعدادية وثانوية، باعتبارها الحل الأنسب جغرافيا وديموغرافيا.

ومن جانب آخر، تعاني المنطقة من غياب شبه تام لوسائل النقل العمومي. فالقصة الشهيرة للحافلة رقم 22، التي كانت تربط بيوكرى عاصمة إقليم اشتوكة أيت باها بآخر دوار بالإقليم مرورا بمركز إزويكا ودوار أيت ويديرن التابعين لجماعة المعدر الكبير وجماعة رسموكة بإقليم تيزنيت وصولا إلى تيگرار التابع ارابيا لجماعة بلفاع إقليم اشتوكة أيت باها، لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان.

فقد تم توقيف هذا الخط قبل نحو 25 سنة بدعوى عبوره تراب إقليمين مختلفين دون ترخيص، وتم إيداع الحافلة بالمحجز الجماعي لجماعة رسموكة، لتفقد معه المنطقة وسيلة النقل الوحيدة المنظمة.

ومنذ ذلك الحين يعتمد السكان على النقل السري أو ما يعرف محليا بـ”الخطافة” أو “العالقة” التي لا تخضع لانتظام ولا التزام، ما يؤثر على مصالح المواطنين ويزيد من معاناتهم اليومية إلى يومنا هذا.

وتتفاقم الأزمة بغياب المراكز الصحية، وضعف تغطية شبكات الهاتف والإنترنت، واستمرار وجود بعض الدواوير دون ربط فردي بالماء الصالح للشرب، مثل الدواوير التي تعتمد على النافورات العمومية بإزويكا بإقليم تيزنيت أو الآبار في دواوير قصبة سطايح وتيگراربإقليم اشتوكة أيت باها.

وفي المقابل، استفادت دواوير مجاورة من الربط الفردي عبر مياه سد يوسف بن تاشفين، ما يكرس إحساسا محليا بعدم العدالة المجالية.

وفي المجال الفلاحي، ورغم توفر المنطقة على أراضٍ زراعية خصبة قريبة من حقينة سد يوسف بن تاشفين، إلا أنها لا تزال خارج خارطة الاستثمار الفلاحي، في وقت استفادت فيه مناطق أبعد من مشاريع السقي بالقنوات.

ويرى فاعلون أن تأهيل هذا الحيز القروي من شأنه خلق فرص شغل حقيقية والحد من الهجرة التي تستنزف المنطقة سنة بعد أخرى.

وتتعمق المعاناة أيضا بسبب مطرح النفايات العشوائي التابع لخمس جماعات بإقليم اشتوكة أيت باها (بلفاع، ماسة، سيدي وساي، إنشادن، أيت ميلك)، حيث يؤدي حرق النفايات وانبعاث الدخان إلى أضرار صحية وبيئية خطيرة تطال ساكنة المنطقة، وسط شكاوى متكررة من المواطنين دون حلول جذرية.

على المستوى السياسي، يشير متتبعون إلى أن هذه الدواوير تعد هوامش مجالية بالنسبة للجماعات التي تنتمي إليها، ما يجعلها خارج دائرة الاهتمام السياسي.

فكل جماعة تعتبر ساكنتها قليلة، لكن جمع مجموع الدواوير في الإقليمين يكشف كثافة سكانية كبيرة تستحق تمثيلا حقيقياً ومشاريع قائمة على رؤية مندمجة.

وهو ما ينسجم مع توجيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، حين تحدث عن “مغرب يسير بسرعتين”، وهي عبارة تعكس بوضوح واقع هذه المناطق التي تفتقر لدور الثقافة والملاعب والمستوصفات والطرقات والتغطية الشبكية.

ورغم كل هذه التحديات، يواصل السكان والفاعلون المحليون مطالبتهم بإعادة الاعتبار لطريق سد يوسف بن تاشفين التي تمثل شريان الحياة للمنطقة، وبإعادة التفكير في التقسيم الإداري أو اعتماد مقاربة تنموية مشتركة بين إقليمي تيزنيت واشتوكة أيت باها، بما يضمن عدالة مجالية حقيقية ويعيد لهذه الرقعة من جهة سوس ماسة مكانتها المستحقة على خريطة التنمية.

اترك تعليقا *

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.