تعد علنية دورات المجالس الإقليمية قاعدة عامة أصيلة، وليست إجراء اختياريا أو امتيازا يمنحه رئيس المجلس متى شاء. فالدورات، بحكم القانون، مفتوحة أمام العموم ووسائل الإعلام، تكريسا لمبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار المجالس الترابية فضاءات دستورية للنقاش العمومي وتدبير الشأن العام.
غير أن أشغال الدورة العادية للمجلس الإقليمي بمدينة تيزنيت، المنعقدة اليوم الإثنين 12 يناير الجاري، شهدت واقعة أثارت جدلا واسعا، بعد إقدام رئيس المجلس على منع صحافي مهني تابع لموقع تحقيقـ24 من تصوير وتوثيق مداخلات أعضاء المجلس ورؤساء المصالح الخارجية، بقرار انفرادي لا يستند إلى أي تصويت للأعضاء ولا إلى أي مقرر قانوني معلن.
ويؤكد دستور 2011 في فصله الثامن والعشرين على أن حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، كما ينص الفصل السابع والعشرون على حق المواطن في الولوج إلى المعلومة التي تتوفر عليها الإدارات والمؤسسات العمومية، بما فيها المجالس المنتخبة. ويُعدّ التصوير والتوثيق جزءاً لا يتجزأ من الممارسة الصحافية المهنية، ووسيلة أساسية لضمان نقل المعلومة العمومية بدقة وموضوعية، خاصة داخل مؤسسات يفترض فيها الانفتاح على الرأي العام.
كما أن القانون التنظيمي المؤطر لعمل المجالس الإقليمية واضح في جعل علنية الدورات هي الأصل، بينما تبقى السرية استثناءً محصوراً في حالات محددة، ولا يمكن اللجوء إليها إلا وفق مسطرة دقيقة. إذ يشترط القانون أن يتم طلب عقد جلسة سرية إما من طرف رئيس المجلس أو من طرف ثلث أعضائه على الأقل، على أن يكون الطلب معللاً بأسباب جدية، كالقضايا المرتبطة بالأمن أو النظام العام، أو تلك التي تمس بالحياة الخاصة للأشخاص، أو الملفات ذات الطابع الحساس أو النزاعي. وبعد ذلك، يُعرض الطلب على أنظار المجلس داخل جلسة علنية، ويتم التصويت عليه، ولا تُعتمد السرية إلا بموافقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين. وبدون هذا التصويت، تبقى الجلسة علنية بقوة القانون.
وبناءً على هذه المقتضيات، فإن منع التصوير والتوثيق الإعلامي داخل دورة لم يُعلن عن سريتها، ولم يُعرض أي طلب بشأنها على التصويت، يُعدّ إجراءً خارجاً عن القانون، ولا يمكن تبريره بأي ذريعة تنظيمية أو إدارية. فصلاحيات رئيس المجلس تظل مقيدة بالقانون وبإرادة المجلس، ولا تخوله اتخاذ قرارات فردية تمس حقوقاً دستورية، أو فرض قراءة انتقائية للنصوص القانونية وفق تقدير شخصي.
وتزداد خطورة هذا السلوك حين يُستحضر المعطى المتعلق بالوضعية المهنية لرئيس المجلس، الذي ينتمي إلى أسرة التعليم، ما يجعله خاضعاً لمقتضيات قانون الوظيفة العمومية، القائم على مبادئ الحياد والتحفظ واحترام القوانين الجاري بها العمل. كما يطرح هذا السياق تساؤلات مشروعة حول مدى قانونية ممارسة أدوار ذات طبيعة صحافية أو إعلامية، أو تقديم نفسه كفاعل إعلامي دون توفره على أي اعتماد مهني أو سند قانوني، بما قد يشكل تضارباً في الأدوار واستعمالاً غير مشروع للصفة الانتدابية.
إن تحويل رئيس مجلس إقليمي إلى “رقيب” على الصحافة، يقرر ما يُوثق وما يُمنع، ومن يُسمح له بالتصوير ومن يُقصى، يمثل انزلاقاً مؤسساتياً خطيراً، لأنه يفرغ مبدأ العلنية من مضمونه، ويحوّل المؤسسة المنتخبة إلى فضاء مغلق يُدار بمنطق التحكم بدل منطق القانون. فالعلنية لا تقتصر على فتح أبواب القاعة شكلياً، بل تشمل تمكين وسائل الإعلام من التتبع والتوثيق والنقل، ما دام ذلك يتم في إطار احترام النظام العام وأخلاقيات المهنة.
ومن شأن مثل هذه الممارسات أن تبعث برسالة سلبية ومقلقة إلى الرأي العام المحلي، مفادها أن الشفافية ما تزال خاضعة لمنطق الانتقائية، وأن بعض المسؤولين لم يستوعبوا بعد أن الصحافة ليست خصماً ينبغي إقصاؤه، بل شريكاً أساسياً في الرقابة المواطنة وتقييم السياسات العمومية المحلية.
إن ما جرى داخل المجلس الإقليمي بتيزنيت لا يمكن اعتباره حادثاً عابراً أو خطأً شكلياً، بل يعكس خللاً واضحاً في فهم المقتضيات الدستورية، وفي استيعاب أدوار المؤسسات المنتخبة داخل دولة الحق والقانون. فحرية الصحافة لا تتجزأ، والتصوير والتوثيق جزء لا ينفصل عن الحق في نقل المعلومة، وعلنية الدورات ليست منّة من أي مسؤول، بل التزام دستوري وقانوني ملزم.
وأمام خطورة هذه السابقة، تظل الحاجة ملحّة إلى تدخل الجهات الوصية، وإلى موقف واضح من الهيئات المهنية والحقوقية، تنبيهاً إلى أن أي مساس بحرية الصحافة أو بحق المواطن في المعلومة يُعد مساساً بأسس الحكامة الترابية. فالسلطة التي تضيق بالكاميرا والقلم، هي سلطة تخشى الرقابة، والحقيقة، مهما أُغلقت الأبواب، تجد دائما طريقها إلى العلن.