“خنق كرو”.. تنمية صامتة تربك ضجيج غارا جبيلات

يونس سركوح يونس سركوح

يمثل سد “خنق كرو”، الذي يجري إنجازه بجماعة بني تدجيت التابعة لإقليم فكيك، نموذجا عمليا لسياسة تنموية هادئة تعتمدها المملكة المغربية في تدبير مواردها المائية، في ظل سياق إقليمي يتسم بتزايد الضغط على الماء وارتفاع منسوب الرهانات الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية، خاصة في المناطق الحدودية.

ويرتقب أن يدخل هذا المشروع المائي الاستراتيجي حيز الخدمة مطلع سنة 2027، بكلفة مالية تناهز 1.2 مليار درهم، وبحقينة تجعله من بين أكبر السدود على الصعيد الوطني. ويهدف السد إلى تعبئة المياه السطحية الناتجة عن التساقطات المطرية، والتي كانت تضيع سابقا دون استثمار فعلي، بما يتيح توجيهها لتأمين الماء الصالح للشرب، ودعم الفلاحة، وإنعاش الواحات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في منطقة تعاني خصاصا مائيا مزمنا.

ويندرج سد “خنق كرو” ضمن رؤية وطنية شاملة لتدبير الموارد المائية، تقوم على الاستباق وحسن التخطيط وربط الماء بالتنمية، وهي رؤية أُرست تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الأمن المائي ركيزة أساسية للأمن الغذائي والسيادة التنموية. وتعكس هذه المقاربة حرصا على تثمين الموارد الطبيعية داخل المجال الوطني، وضمان استفادة المواطن منها في إطار تنمية مستدامة تراعي التوازنات البيئية وحقوق الأجيال المقبلة.

في المقابل، يبرز على الضفة الأخرى من الحدود نقاش واسع حول الجدوى البيئية والاقتصادية لمشاريع استخراجية كبرى، وعلى رأسها استغلال منجم غارا جبيلات، الواقع في نطاق صحراوي شديد الجفاف. فرغم ما يروج له من أهمية اقتصادية لهذا المشروع، فإن تشغيله يظل مرتبطا بإكراهات تقنية معقدة، أبرزها الحاجة إلى كميات كبيرة من المياه لاستخراج ومعالجة خام الحديد، في منطقة تعاني أصلا من محدودية الموارد المائية وضعف تجدد الفرشات الجوفية.

ويحذر خبراء في الاقتصاد البيئي من أن الاعتماد المكثف على المياه الجوفية في المناطق الصحراوية قد يؤدي إلى استنزاف غير قابل للتعويض، بما يهدد التوازن البيئي وحق الساكنة في الولوج إلى الماء مستقبلا. كما يثير هذا النموذج تساؤلات حول ترتيب الأولويات التنموية، خاصة عندما توجه موارد استراتيجية نحو مشاريع استخراجية كثيفة الاستهلاك للماء، في مقابل حاجيات أساسية مرتبطة بالماء الشروب والفلاحة والأمن الغذائي.

وتظهر المقارنة بين التجربتين اختلافا واضحا في فلسفة تدبير الثروة الطبيعية. فبينما يركز المغرب على جعل الماء في خدمة المواطن والتنمية المحلية، من خلال استثمارات مهيكلة كالسدود والبنيات المائية، تمضي السلطات في الجزائر في رهانها على مشاريع منجمية كبرى داخل مجال صحراوي هش، ما يفتح نقاشا إقليميا حول الاستدامة والآثار الاجتماعية والبيئية بعيدة المدى.

وبهذا المعنى، يتجاوز سد “خنق كرو” بعده التقني ليجسد خيارا استراتيجيا يقوم على “التنمية الصامتة”، التي تفضل الفعل الميداني والاستثمار طويل الأمد على الخطاب، وتربط استغلال الموارد الطبيعية بخدمة الإنسان وضمان استمراريتها، في محيط إقليمي يعرف تصاعدا في التنافس على الماء وتباينا في نماذج تدبيره.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.