من المسؤول ؟.. سوس ماسة بين الإمكانات الضائعة والاستثمار المفقود ..

تحقيقـ24 تحقيقـ24

يونس سركوح

يشهد المغرب تحولا اقتصاديا متسارعا يقوده التحول الرقمي وتوسع أنشطة الـOffshoring، التي أصبحت ركائز أساسية لخلق فرص الشغل ذات القيمة المضافة، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات العالمية في مهن الخدمات المرقمنة.

وقد دعم العرض الوطني الجديد هذا التوجه من خلال حوافز جبائية ومالية، وتبسيط المساطر، وإحداث مناطق صناعية من صنف P2I، في إطار استراتيجية تهدف إلى ترسيخ موقع المغرب كقطب تنافسي في الأسواق الدولية.

ورغم هذه الدينامية، تبدو جهة سوس–ماسة بعيدة عن الاندماج الفعلي في الاقتصاد الرقمي، على الرغم من توفرها على رأسمال بشري مهم وبنية اقتصادية في طور التحديث. غير أن غياب منطقة مخصصة الـOffshoring وعدم توفر منظومة تكنولوجية متكاملة يشكلان عائقا بنيويا أمام قدرتها على جذب الشركات العالمية، فيما يفاقم استمرار هجرة الكفاءات نحو محور الدار البيضاء–الرباط الفجوة بين الإمكانات النظرية والواقع التنفيذي، ويجعل العنصر البشري—الذي يشكل أساس الاقتصاد الرقمي—خارج الدورة الإنتاجية الجهوية.

وتفتقر الجهة إلى سردية اقتصادية رقمية واضحة تحدد تموقعها داخل الاقتصاد الوطني. ففي الوقت الذي صاغت فيه طنجة هويتها الصناعية، وبلورت الدار البيضاء نموذجها المالي والتقني، ورسخت الرباط حضورها الإداري والخدماتي، ما تزال سوس–ماسة حبيسة قطاعاتها التقليدية: الفلاحة، السياحة، والصيد البحري، دون أن تنجح في الانتقال إلى نموذج قادر على إنتاج القيمة الرقمية واستيعاب فرص المستقبل.

ويزيد ضعف حضور الجهة في الترويج الدولي من حدة هذا الوضع، إذ لم تسجل مبادرات مؤثرة باسمها في الأسواق الأوروبية والإفريقية، رغم مزاياها اللغوية والثقافية تجاه غرب إفريقيا وقدرتها على استقطاب الشركات الفرانكوفونية.

وعلى الرغم من توفر مشاريع بنيوية كبرى، كــالميناء الأطلسي الجديد، والطريق السريع تيزنيت–الداخلة، والمناطق الصناعية في أيت ملول وتاسيلا، فإن غياب مراكز بيانات، ومنصات تكوين رقمية، وحاضنات متخصصة في مهن الـCRM والـBPO يجعل الجهة خارج الشروط الأساسية للتموقع ضمن خريطة الاقتصاد الرقمي الوطني.

وفي هذا السياق، تطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بمسؤولية الفاعلين الجهويين: أين يتمركز دور المركز الجهوي للاستثمار في صياغة عرض استثماري رقمي قادر على جذب شركات الـOffshoring؟ وهل تجاوز معالجة الملفات التقليدية إلى بناء رؤية استباقية لإقامة قطب اقتصادي رقمي بالجهة؟ وما موقع غرفة التجارة والصناعة والخدمات من هذا التحول؟ وهل اعتمدت استراتيجية لتأهيل المقاولات المحلية وإدماجها في الاقتصاد الرقمي، أم أنها ما تزال غائبة عن دينامية الترويج الدولي مقارنة بغرف جهات أخرى؟ وإلى أي حد يتحمل مجلس جهة سوس–ماسة مسؤولية غياب رؤية رقمية واضحة، ولماذا لم يدرج مشروع إنشاء منطقة P2I مخصصة الـOffshoring ضمن أولويات مخطط التنمية الجهوية رغم قدرته على خلق آلاف مناصب الشغل؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار هجرة الكفاءات؟ وهل وضعت المؤسسات الجهوية برامج فعلية لاستبقاء المواهب أو جذب الشركات الرقمية القادرة على خلق القيمة؟ وهل يشتغل الفاعلون الجهويون ضمن إطار من التنسيق المؤسسي الفعال، أم أن كل طرف يتحرك وفق منطق منفصل يعطل بناء رؤية موحدة للجهة؟

وإن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد تمرين فكري، بل تمثل شرطا أساسيا لإعادة توجيه النموذج الاقتصادي الجهوي نحو مسار يتماشى مع التحول الوطني.

فدمج جهة سوس–ماسة في منظومة الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن يتحقق دون رؤية مشتركة، وبنية تكنولوجية متكاملة، وآليات ترويج دولية قوية، وبرامج تكوين متخصصة.

كما يتطلب الأمر إرادة مؤسساتية جريئة للانتقال من المقاربات التقليدية إلى أخرى استشرافية تعيد للجهة مكانتها الطبيعية كقطب اقتصادي قادر على خلق القيمة في المغرب الجديد.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.