جماعة المضيق تحت رحمة الإهمال وجبروت الطبيعة

سمية الكربة سمية الكربة

محمد مسير أبغور

أمام التدهور البنيوي الخطير الذي تعيشه الأحياء الشعبية بجماعة المضيق، وما عرفته المدينة من أمطار عاصفية خلال الليلة الماضية، تتجلى بوضوح هشاشة البنية التحتية وغياب رؤية واضحة لتدبير شؤون المدينة، في ظل ضعف الحكامة الترابية وغياب نجاعة السياسات العمومية المرتبطة بالقطاعات الحيوية.

إن مسار تدبير الشأن المحلي منذ إحداث الجماعة، وما رافقه من اختيارات سياسية وتدبيرية، أفرز حالة من الاستياء العميق لدى الساكنة، إلى جانب تخوفات متزايدة من برمجة مشاريع شكلية وغير ذات أثر فعلي، رغم إدراجها ضمن برامج رسمية بقيت حبيسة الوثائق ولم تجد طريقها إلى التنزيل السليم على أرض الواقع.

وأصبحت وضعية جماعة المضيق، خاصة بأحياء السكة العليا ووسط المدينة، تشكل تهديدًا حقيقيًا لأرواح السكان وصحتهم وجودة عيشهم، حيث تحولت هذه الأحياء إلى ما يشبه قنبلة اجتماعية موقوتة، قد تنفجر في وجه المؤسسات في أية لحظة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

سنوات طويلة من التهاون وعدم تحمل المسؤولية، سواء من طرف السلطات التشريعية أو التنفيذية، أنتجت واقعًا من الاحتقان الصامت والتذمر المتصاعد، في مقابل غياب شبه تام لهيئات المجتمع المدني، التي أُحدث العديد منها وفق منطق المحاصصة الحزبية، دون أن تضطلع بأدوارها التأطيرية والرقابية الحقيقية.

وتجد الساكنة نفسها مجبرة يوميًا على العيش في محيط غير مستقر، يفتقد لأدنى شروط السلامة والصحة العامة، ما جعل صورة جماعة المضيق أقرب إلى “تأبين بلا جنازة”، في تعبير عن التدهور الاقتصادي والسياحي الذي يضرب في العمق الثقة في المؤسسات المكلفة بحماية الحق في الحياة، كما يكفله الدستور المغربي.

فالمدينة، التي تعرف انتعاشًا موسميًا خلال فصل الصيف، تعيش في باقي أشهر السنة على وقع البطالة والهشاشة والفقر، إلى جانب انتشار المخدرات وتفاقم الإشكالات الاجتماعية، وهي أوضاع لا يدرك حجمها الحقيقي إلا من يعيش يوميًا بين ساكنتها ويتقاسم معاناتها.

وأمام هذا الواقع القاتم والمستعجل، الذي لا يحتمل المزيد من الانتظار أو الحلول الترقيعية، تبرز ضرورة رفع الغموض عن حقيقة الوضع بالمدينة، ودعوة السلطات الإقليمية إلى تحمل مسؤولياتها الكاملة، من خلال آليات اشتغال قائمة على لقاءات تشاورية حقيقية، لا مجرد أنشطة شكلية توثق بالصور سرعان ما تختفي من منصات التواصل الاجتماعي.

كما يفرض الوضع إحداث لجان مستقلة تضم فاعلين سياسيين حقيقيين وذوي معرفة ميدانية بمواطن الخلل، قصد تقديم اقتراحات عملية وتشخيص أسباب تعثر أغلب البرامج الممولة من المركز، مع تحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة الفعلية، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية للملك محمد السادس، الذي يرتبط اسمه تاريخيًا بمدينة المضيق ويقضي بها عطلته الصيفية.

ويستدعي الأمر، كذلك، وضع خريطة طريق واضحة لمخطط اجتماعي واقتصادي صارم وواقعي، يلزم جميع المتدخلين في صياغته وتنفيذه، مع احترام الأولويات الأساسية للعيش الكريم، من بنية تحتية مؤهلة، وطرق صالحة، وأسواق نموذجية، ومؤسسات تعليمية وصحية قريبة من المواطنين، إلى جانب منتخبين ينصتون لنبض الساكنة ويمثلونها تمثيلًا حقيقيًا.

وفي السياق ذاته، فإن مدينة المضيق، التي تُوصف بالعاصمة الصيفية، عرفت خلال العقود الأخيرة انفلاتًا معماريًا خطيرًا، ساهم في تعميق معاناة الساكنة، نتيجة جشع بعض رجال السلطة السابقين، وتورط منتخبين راكموا ثروات على حساب جمالية المدينة ومستقبلها العمراني.

وقد أدى الانتشار الواسع للبناء العشوائي وغير المرخص، واستمرار بيع الأراضي بعقود عرفية، والمصادقة عليها في جماعات قروية مجاورة، إلى تعقيد الوضع أكثر، خاصة في ظل تواطؤ بعض أعوان السلطة في تسهيل البناء التدريجي، مستغلين التضاريس الوعرة والاكتظاظ الذي تعرفه الأحياء العليا للجماعة، إلى جانب استغلال فترات الليل والظلام في العديد من الحالات، بعيدًا عن أعين مصالح التعمير بالعمالة.

ويبقى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة شرطًا أساسيًا لإعادة الاعتبار لمدينة المضيق، وإنقاذها من مسار التدهور الذي يهدد حاضرها ومستقبل أجيالها القادمة.

 

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.