قراءة في انسحاب عزيز أخنوش من التنافس على قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار

تحقيقـ24 تحقيقـ24

محمد مسير ابغور

في سياق النقاش السياسي المتصاعد داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، جاءت تصريحات القيادي الحزبي محمد أوجار، التي تحدث فيها عن ما سماه “عرقلة الدولة العميقة لعمل النخب السياسية والأحزاب المشكلة للحكومات”، لتفتح باب التأويل حول الرسائل السياسية والتنظيمية التي قد تحملها هذه المواقف، سواء داخل الحزب أو في علاقته بمحيطه المؤسساتي.

ولا تبدو هذه التصريحات، وفق قراءات متداولة، مجرد تعبير سياسي عابر، بقدر ما اعتبرها بعض المتابعين رسائل غير مباشرة تعكس وجود توترات داخلية، خاصة أن المتحدث ليس عضواً عادياً داخل الحزب، بل سبق له تقلد مسؤوليات حكومية ووزارية مهمة، من بينها وزارة العدل ووزارة حقوق الإنسان، ما يجعل مضمون تصريحاته يحظى بوزن سياسي خاص ويثير أسئلة حول خلفياته وتوقيته.

ويرى محللون أن الإشارة إلى “عرقلة” عمل الأحزاب والنخب السياسية تمسّ، بشكل أو بآخر، طبيعة العلاقة بين الفاعلين الحزبيين وبعض المؤسسات ذات الأدوار التنظيمية والإدارية، بما في ذلك الإدارة الترابية، وهو ما جعل التصريح يُقرأ باعتباره يحمل طابعاً حساساً بالنظر إلى ما يلامس من ملفات مرتبطة بدور الفاعل الحزبي وحدود تدبيره للشأن العام.

وفي هذا الإطار، استحضرت بعض التعليقات المتداولة في الساحة السياسية وجود توتر سابق بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خصوصاً بخصوص بعض التعيينات الأخيرة التي شملت مسؤولين إداريين وُصفت قراءتها بأنها موضوع اختلاف في وجهات النظر بين الطرفين، في ظل حساسية هذا المجال وارتباطه المباشر بالسير العادي للإدارة الترابية.

كما ذهبت بعض التحليلات إلى الحديث عن محاولات سياسية وإعلامية للتأثير على هذا التوازن داخل الحكومة، غير أن هذه المعطيات تبقى في نطاق التأويل السياسي والتداول الإعلامي، في انتظار ما قد تكشفه الوقائع الرسمية أو التصريحات الموثقة من الجهات المعنية.

ويُقارن بعض المتابعين مضمون هذه التطورات بتصريحات سابقة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، حين قال إن حزبه “تسلم الحكومة ولم يتسلم الحكم”، وهي عبارة أعادت النقاش إلى مسألة حدود السلطة التنفيذية داخل النسق السياسي المغربي، وطبيعة التفاعل بين المؤسسات الدستورية والفاعلين الحزبيين.

وفي منحى آخر، تم تسجيل إيداع محمد أوجار ملف ترشحه لقيادة الحزب، وهي خطوة اعتبرها البعض مؤشراً على دخول حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة تنظيمية جديدة، قد تتسم بتنافس داخلي مفتوح في حال تأكدت مشاركة أسماء أخرى تتداولها مصادر حزبية وإعلامية، من بينها وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، ووزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، باعتبارهما من أبرز الأسماء التي تُطرح داخل هياكل الحزب.

وتذهب قراءات أخرى إلى أن إعادة ترتيب القيادة الحزبية قد تكون لها انعكاسات على موقع الحزب داخل التحالف الحكومي وعلى آفاق استمراره في تصدر المشهد السياسي، خاصة في ظل ما تتطلبه المرحلة المقبلة من رهانات تنظيمية وانتخابية، تزامناً مع حديث متزايد عن تشديد وزارة الداخلية على مبدأ الحياد في الاستحقاقات المقبلة، عبر توجيهات ومذكرات تنظيمية تؤكد على احترام قواعد النزاهة والتنافس المتكافئ بين مختلف القوى السياسية.

وفي سياق موازٍ، يرى بعض المتابعين أن انسحاب عزيز أخنوش من سباق رئاسة الحزب ـ إذا تأكد رسمياً ـ قد يفتح المجال أمام الأحزاب المنافسة لإعادة ترتيب صفوفها مبكراً استعداداً للاستحقاقات المقبلة، خصوصاً في ظل النقاش حول ملامح الحكومة القادمة وتحديات ما يُعرف إعلامياً بـ“مرحلة ما قبل مونديال 2030”.

ويحضر حزب الأصالة والمعاصرة ضمن الأحزاب التي تُطرح بقوة داخل تحليلات المشهد السياسي، بالنظر إلى حضوره داخل الحكومة وتقلده حقائب وزارية مؤثرة، وهو ما جعل بعض القراءات تربط مستقبله السياسي بإمكانية لعب أدوار أكبر خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب أحزاب أخرى، مثل حزب الاستقلال الذي يواجه بدوره انتقادات متباينة تتعلق بتدبير بعض قطاعاته الوزارية وبالاختيارات التنظيمية الداخلية للحزب.

ومن زاوية أوسع، يرى عدد من المتابعين أن المشهد السياسي المغربي يعيش تحولات مرتبطة بتعقيدات تدبير دولة ذات طابع اجتماعي، في ظل تموقع حكومات تقودها أحزاب ذات مرجعيات اقتصادية ليبرالية، وهو ما يطرح، وفق هذا الرأي، تحديات تنزيل السياسات العمومية على أرض الواقع في ظل الإكراهات الاجتماعية المتراكمة وتغير السياقات الاقتصادية الدولية.

أما على مستوى التقييم الاقتصادي والاجتماعي لعمل الحكومة، فتتباين المواقف بين من يعتبر أن السياسات المتبعة لم تنعكس إيجاباً بالشكل الكافي على معيش المواطن، خاصة فيما يرتبط بالقدرة الشرائية ومستويات التضخم، وبين من يستند إلى تقارير رسمية تسجل مؤشرات اقتصادية تختلف في قراءتها باختلاف المرجعيات والمنهجيات المعتمدة.

وفي جميع الأحوال، يبقى النقاش حول الحصيلة الحكومية ومسار الأحزاب السياسية جزءاً من جدل سياسي مفتوح، تساهم فيه المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، وتوازنات الفاعلين، والاستحقاقات المقبلة، بما يجعل المرحلة القادمة مرشحة لمزيد من التحولات داخل المشهد الحزبي والمؤسساتي بالمغرب.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.