يونس سركوح
لم تكن ليلة التاسع والعشرين من أبريل 2024 مجرد محطة عابرة في حياة المؤثر والمعارض الجزائري أمير بوخرص، المعروف على منصات التواصل باسم “أمير ديزاد”، بل تحولت إلى لحظة مفصلية نقلته من جدل “السوشيال ميديا” إلى قلب ملف قضائي وأمني شديد الحساسية داخل فرنسا. فبعد ساعات من الغموض والاختفاء، خرج الرجل إلى العلن برواية صادمة عن عملية اختطاف استمرت 27 ساعة، قبل أن تتوسع القضية تدريجياً لتصبح عنواناً لتوتر سياسي ودبلوماسي متصاعد بين باريس والجزائر، خاصة بعد ما كشفه تحقيق برنامج “Complément d’enquête” على قناة France 2 حول ما وصفه الصحافيون المشاركون بـ“حرب ظل” تُمارس فوق التراب الفرنسي لملاحقة المعارضين والتأثير على المجال العام.
أمير ديزاد، البالغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، يقدم نفسه باعتباره معارضاً سياسياً ومبلّغاً عن الفساد في الجزائر، وقد نجح في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتابع محتواه ملايين الأشخاص، ويقوم عبر مقاطع فيديو متكررة بتوجيه اتهامات لمسؤولين جزائريين وشخصيات نافذة، مستخدماً لغة صدامية تثير الكثير من الجدل والانقسام. وبينما يرى مؤيدوه أنه يكشف ما تعجز عنه المنابر التقليدية في بلد تضيق فيه مساحات النقد، يعتبر خصومه أن خطابه يقوم على الإثارة والتشهير، وأنه يستعمل عبارات جارحة ومضامين يصعب التحقق من دقتها. في جميع الأحوال، ظل الرجل لسنوات ضمن دائرة الاستهداف الرمزي والسياسي، قبل أن تتخذ الأحداث منعطفاً أخطر مع حصوله على صفة لاجئ سياسي في فرنسا قبل نحو عامين، وهو وضع قانوني يمنحه حماية خاصة ويجعل سلامته جزءاً من مسؤولية الدولة المضيفة.
وفق ما يرويه أمير ديزاد، بدأت تفاصيل الحادثة في وقت متأخر من ليلة 29 أبريل، حين كان عائداً إلى منزله في إحدى ضواحي باريس. يقول إنه تفاجأ بسيارة تعترض طريقه بشكل مباغت، بينما ظهرت إشارات توحي بأنها عملية تفتيش رسمية، من بينها ضوء دوّار شبيه بما تستعمله الشرطة. في تلك اللحظة، لم يتعامل مع الأمر على أنه تهديد مباشر، بل اعتقد أنه أمام إجراء روتيني داخل بلد يتصور أنه يضمن له الحماية القانونية. غير أن المشهد بدأ يتغير بسرعة، بعدما أُبلغ بأنه سيتم اقتياده إلى مركز للشرطة، ثم وجد نفسه يسير لمسافة طويلة دون أن تظهر أي مؤشرات على الاقتراب من مركز أمني، لتبدأ الشكوك تتسرب إلى ذهنه، ويتحول الشعور بالأمان إلى إدراك متصاعد بأن ما يجري خارج القانون.
مع مرور الوقت، يقول الرجل إنه بدأ يستحضر سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها احتمال تعرضه للتصفية الجسدية، بالنظر إلى قناعته بأنه مستهدف بسبب نشاطه الرقمي ومواقفه الحادة من السلطة الجزائرية. وحسب روايته التي عرضها برنامج “Complément d’enquête”، تم اقتياده إلى مكان معزول يشبه الأراضي الفارغة المحاذية لمناطق تفكيك السيارات، قبل أن يُجبر على تناول مادة منومة قوية أفقدته القدرة على المقاومة. وعندما استعاد وعيه، وجد نفسه داخل فضاء مغلق، وأمام أشخاص قال إنهم لم يكونوا مدركين لهوية الرجل الذي يحتجزونه، إلى أن قادهم بحث سريع باسمه على الإنترنت إلى اكتشاف أنه لاجئ سياسي وأن احتجازه قد يتحول إلى فضيحة سياسية وقضائية واسعة، وهو ما أدى إلى ارتباك واضح داخل المجموعة المنفذة، بحسب روايته.
بعد نحو 27 ساعة من الاختفاء، أُطلق سراح أمير ديزاد تحت جسر داخل منطقة غابوية بفرنسا، في حالة إنهاك ظاهرة وملامح توحي بتأثير التخدير. وقد ظهر في مقطع مصور التقطه بهاتفه المحمول بعيون متعبة وصوت مضطرب، مؤكداً أنه تعرض لتخدير قوي خلال فترة احتجازه. هذه النهاية المفاجئة أعادت طرح أسئلة عديدة حول سبب الإفراج عنه بهذه السرعة، وما إذا كان القرار مرتبطاً بتقدير المخاطر السياسية والقانونية لاحتجاز لاجئ سياسي على الأراضي الفرنسية، أو نتيجة ارتباك المنفذين بعد انكشاف طبيعة الشخص المستهدف وما قد يترتب عن ذلك من تدخل أمني فرنسي واسع.
وعقب الإفراج عنه، لم يقدّم أمير ديزاد الواقعة بوصفها حادثة ترهيب عابرة، بل اعتبرها محاولة جدية لـ“الترحيل القسري إلى الجزائر أو التصفية الجسدية”، واتهم النظام الجزائري بالوقوف وراء العملية عبر وسطاء ومنفذين مأجورين مرتبطين بشبكات إجرامية تعمل بتنسيق مع أجهزة المخابرات. كما أطلق تصريحات هجومية حادة تجاه القيادة الجزائرية، وهي تصريحات أوردها التحقيق ضمن سياق خطاب المعارض وروايته، دون أن تكون بديلاً عن نتائج التحقيق القضائي، ما يجعلها في إطار الاتهامات التي تحتاج إلى إثبات قانوني. في المقابل، عرض البرنامج موقف الجزائر الرسمي الذي نفى جميع الاتهامات، واعتبر القضية “حملة إعلامية معادية”، كما وصف أمير ديزاد بأنه “مجرم فار من العدالة”، دون أن يرافق ذلك، وفق ما ورد في التحقيق، تقديم تفاصيل قضائية موثقة للرأي العام الفرنسي تثبت هذه الادعاءات المضادة أو تنفي بشكل قاطع ما وقع فوق التراب الفرنسي.
أمام خطورة الواقعة، باشرت السلطات الفرنسية تحقيقات فورية، نظراً إلى أن عملية اختطاف على أراضيها مع الاشتباه في تورط قوة أجنبية تمس السيادة الفرنسية بشكل مباشر. وبحسب ما كشفه التحقيق التلفزيوني، اعتمدت التحقيقات على معطيات تقنية مرتبطة بتحديد مواقع الهواتف ورصد التحركات المحيطة بمنزل المعارض قبل الاختطاف. وفي هذا السياق، تم رصد هاتفين كانا يتواجدان بشكل متكرر قرب منزل أمير ديزاد قبل أسابيع من الواقعة، ما عزز فرضية وجود مراقبة مسبقة. وبعد تحديد هوية صاحبي الخطين، تبين أنهما مواطنان جزائريان مسجلان كدبلوماسيين، غير أن المحققين الفرنسيين رجحوا أنهما في الواقع عناصر استخبارات يعملون تحت غطاء دبلوماسي.
هذه المعطيات أدخلت القضية في مستوى بالغ الحساسية، بالنظر إلى ارتباطها بموضوع الحصانة الدبلوماسية، غير أن السلطات الفرنسية قامت بتوقيف أحد المشتبه فيهم ووضعه رهن الاعتقال. وهو تطور كان كافياً لرفع منسوب التوتر بين البلدين، إذ دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية مرحلة مواجهة دبلوماسية صريحة، بعدما قامت الجزائر بطرد عدد من الموظفين الفرنسيين في رد فعل سريع، قبل أن ترد باريس بإجراءات مماثلة وفق منطق المعاملة بالمثل. ومع هذا التصعيد، لم تعد القضية محصورة في مسار القضاء، بل أصبحت ملفاً سياسياً يعكس هشاشة التوازنات بين دولتين ترتبطان بتاريخ معقد وتعاون متداخل في ملفات عديدة، من الهجرة والأمن إلى الاقتصاد والطاقة.
التحقيق الذي بثته France 2 لم يقتصر على رواية المعارض، بل قدم شهادات صحافيين وخبراء أمنيين فرنسيين تحدثوا عن مراقبة مصالح الأمن الفرنسية منذ سنوات لنشاط غير اعتيادي يُنسب إلى أجهزة استخبارات جزائرية في فرنسا. ويتجلى هذا النشاط، وفق ما نُقل، في تتبع المعارضين، جمع معلومات شخصية عنهم، اختراق جمعيات داخل الجالية، ومحاولات التأثير على الإعلام والرأي العام. كما أشار البرنامج إلى وجود شبكات رقمية أو “جيوش إلكترونية” تعمل على تشويه المعارضين وبث الإشاعات واستهداف صحافيين فرنسيين وشخصيات سياسية ونشطاء جزائريين في المنفى، في سياق يوحي بأن المواجهة لم تعد تُدار فقط عبر الأساليب التقليدية، بل أيضاً عبر الحرب الرقمية والتضليل وصناعة الرأي العام.
ومن أخطر ما كشفه التحقيق، الحديث عن عملية تجنيد نفذتها المخابرات الجزائرية بحق موظف فرنسي يعمل في وزارة المالية الفرنسية، وبالضبط في قسم بيرسي المرتبط بمعالجة ملفات إدارية حساسة، من بينها معطيات لها صلة بطلبات اللجوء. الموظف المولود في الجزائر، والذي لم يكن معروفاً بسوابق، قُدم في الإعلام بلقب “جاسوس بيرسي”. وبحسب رواية التحقيق، جرى استدراجه أثناء قيامه بإجراءات إدارية في قنصلية الجزائر بكريتيل سنة 2023، قبل أن يقوم بعد أيام بتسريب عنوان إقامة أمير ديزاد، ثم يستمر على مدى عامين في تزويد أجهزة الاستخبارات الجزائرية بمعلومات عن نحو خمسة عشر معارضاً جزائرياً يقيمون في فرنسا. ويخضع الموظف حالياً لتحقيق قضائي بتهمة التخابر مع قوة أجنبية، وهو في حالة سراح تحت المراقبة القضائية.
وفي مقابلة بثها البرنامج، قال الموظف إن نقل المعلومات لم يكن يتم بكامل طواعيته، مشيراً إلى وجود ضغوط وتهديدات طالت حياته وعائلته المقيمة في الجزائر، وهو ما يعكس، إن ثبت قضائياً، أسلوباً يعتمد على الضغط غير المباشر عبر الروابط العائلية لتجنيد أفراد داخل مؤسسات سيادية. ورغم أن هذه الأقوال تظل جزءاً من دفاع المعني بالأمر، فإنها تضيف بعداً جديداً للقضية، يجعلها تتجاوز حادث اختطاف إلى شبهة اختراق مؤسسات الدولة الفرنسية واستغلال ثغرات بشرية وقانونية للحصول على بيانات حساسة.
وفي سياق أكثر اتساعاً، كشف التحقيق اعتماداً على مذكرة سرية منسوبة إلى جهاز مكافحة التجسس الفرنسي، أن أجهزة الاستخبارات الجزائرية تمارس ضغوطاً أيضاً على منتخبين محليين فرنسيين من أصول جزائرية، عبر قنوات قنصلية، بهدف دفعهم إلى تبني خطاب يخدم الرواية الرسمية الجزائرية داخل النقاشات الفرنسية. وقد أدلت منتخبة محلية بصوت معدّل حماية لها بشهادة تؤكد أن هذه الاتصالات لا تقتصر عليها، بل تشمل عدداً من المنتخبين، وتتضمن وعوداً بتسهيلات و”فتح الأبواب” داخل الجزائر مقابل الانحياز لصالحها والدفاع عنها، وهو ما اعتبره التحقيق محاولة لبناء نفوذ سياسي غير مباشر داخل المجال الفرنسي.
ولم يغفل التحقيق الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقة المتوترة بين فرنسا والجزائر، مستحضراً رأي السفير الفرنسي السابق في الجزائر كزافييه دريانكور، الذي اعتبر أن معاداة فرنسا تُستعمل كأداة سياسية داخلية لتبرير الإخفاقات وتعبئة الرأي العام، داعياً باريس إلى التخلي عن ما وصفه بـ“السذاجة الدبلوماسية” واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل. كما أشار البرنامج إلى أن استهداف المعارضين خارج الجزائر ليس سلوكاً معزولاً في نظر بعض المنظمات الحقوقية، بل يرتبط بنمط أوسع يشمل الضغط على العائلات، التهديدات، والملاحقات التي قد تُستعمل لتطويق الأصوات المعارضة داخل أوروبا.
بين رواية معارض يؤكد أنه كان على وشك الترحيل القسري أو التصفية، ورواية رسمية جزائرية تنفي وتطعن في مصداقيته، تظل الحقيقة النهائية رهينة مسار قضائي فرنسي قد يكون طويلاً ومعقداً، بالنظر إلى تشابك الملف مع الحصانة الدبلوماسية والتعاون القضائي الدولي. غير أن المؤكد أن قضية “أمير ديزاد” تجاوزت حدود ما هو شخصي، لتصبح نموذجاً لصراع الظل في أوروبا، حيث تتقاطع الدبلوماسية بالاستخبارات، وتتحول منصات التواصل من أدوات تأثير إلى عوامل تضع أصحابها في مرمى تهديدات قد لا تعترف بالحدود. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو: إلى أي مدى يمكن أن تُدار معارك السياسة خارج القانون وعلى أراضي دول أخرى دون أن تتحول إلى أزمة سيادة مفتوحة؟