“أخنوش” يعلن من “الجديدة” نهاية عقد من قيادة الأحرار ويؤكد خيار التداول الديمقراطي

يونس سركوح يونس سركوح

شكل المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقد يوم أمس السبت 7 فبراير بمدينة الجديدة، محطة تنظيمية وسياسية مفصلية في مسار الحزب، بالنظر إلى السياق الوطني الدقيق الذي انعقد فيه، وبالنظر كذلك إلى مضامين الكلمة المطوّلة التي ألقاها رئيس الحزب عزيز أخنوش، والتي قدّم من خلالها قراءة شاملة لمسار الحزب خلال عشر سنوات من القيادة، مبرزا اختياراته الكبرى، ومعلنا بشكل صريح عدم ترشحه لولاية ثالثة، في تأكيد واضح على خيار التداول الديمقراطي واحترام القواعد التنظيمية الداخلية.
وفي مستهل كلمته، شدد أخنوش على أن حضوره في العمل الحزبي لم يكن يوما رهينا بالمواقع أو الصفات، بل نابعا من إيمان راسخ بالعمل السياسي الجاد باعتباره أساس الممارسة الديمقراطية السليمة، ووسيلة لخدمة الوطن والمواطن. واعتبر أن اللحظة التي يعيشها الحزب تختزل مسارا طويلا من التجربة والمسؤولية، في ظرف وطني يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية كبرى، ما يفرض على الأحزاب السياسية الارتقاء إلى مستوى المرحلة، وتقديم نماذج سياسية قادرة على استعادة الثقة في العمل الحزبي.
وأكد المتحدث أن التجمع الوطني للأحرار اختار، منذ البداية، وضع المصلحة العامة في صدارة اختياراته، إيمانًا منه بأن بناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات الظرفية، وإنما بوضوح الرؤية وصدق الالتزام وربط القول بالفعل. وفي هذا الإطار، أبرز أن الحزب سعى إلى الإسهام في تخليق الحياة السياسية وتجديد العلاقة بين السياسة والمجتمع، عبر رؤية تجمع بين الواقعية والطموح، وتنسجم مع التحولات التي يشهدها المغرب، في ظل التوجيهات الاستراتيجية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لا سيما في ما يتعلق بتعزيز العدالة الاجتماعية وبناء دولة المؤسسات.


وعاد أخنوش بالذاكرة إلى سنة 2016، معتبرا أن تحمل مسؤولية قيادة الحزب في تلك المرحلة جاء في سياق اتسم بتراجع الثقة في السياسة، ما استدعى إعادة النظر في عدد من المفاهيم والممارسات، والانخراط في مسار إصلاحي هدفه إعادة الاعتبار للعمل الحزبي في معناه النبيل، وربط الخطاب بالفعل، وتكريس الالتزام الجماعي بدل منطق الزعامات أو التموقعات الفردية. وأوضح أن هذا المسار انطلق فعليا سنة 2017 من مدينة الجديدة، وارتكز على إعادة هيكلة الحزب، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وتكافؤ الفرص، والانفتاح على الاختلاف، مع اعتماد الديمقراطية الاجتماعية كمرجعية سياسية وفكرية توازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.
وفي حديثه عن العمل الميداني، أكد أخنوش أن أي مشروع سياسي لا يتغذى من نبض الواقع يظل معرضا للانفصال عن المجتمع، وهو ما دفع الحزب إلى إطلاق المؤتمرات الجهوية سنة 2018، باعتبارها فضاءات للنقاش المفتوح والحوار الصريح، وأسهمت في بلورة تصور جماعي للإصلاح قائم على الإنصات والتفاعل من القاعدة إلى المركز. ومن هذا التراكم، ولد “مسار الثقة” كمبادرة استماع حقيقية لانتظارات المواطنات والمواطنين، كشفت بوضوح عن أولويات اجتماعية ملحة في مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، وهي الأولويات التي جعلها الحزب محورا لنظرته الإصلاحية، باعتبارها ركائز للاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.


وتوقف عزيز اخنوش عند مبادرة “100 يوم، 100 مدينة”، التي استهدفت المدن الصغرى والمتوسطة، ومكنت من الاقتراب من المواطنين وفهم إكراهات حياتهم اليومية، بعيدا عن الخطاب الجاهز. وأسهمت هذه المبادرة في إطلاق “مسار المدن”، قبل أن تتطور التجربة إلى “مسار التنمية” و“مسار الإنجازات”، اللذين ربطا بين العمل المحلي والعمل الحكومي، وساهما في ترسيخ ثقافة القرب والإنصات وربط المسؤولية بالنتائج.
وفي حديثه عن مرحلة ما بعد انتخابات 2021، أوضح أخنوش أن تصدر الحزب للنتائج لم يتعامل معه كإنجاز تنظيمي عابر، بل كمسؤولية وأمانة تفرض الوفاء بالالتزامات المعلنة، والعمل بجدية وتواضع في سياق دولي ووطني معقد، طبعه استمرار تداعيات جائحة كوفيد-19، والتحولات الجيوسياسية، وتوالي سنوات الجفاف. وأبرز أن تشكيل أغلبية حكومية قوية ومتماسكة، وصياغة برنامج حكومي مشترك قابل للتنزيل، شكلا مدخلا لمواجهة هذه التحديات بمنهجية واقعية توازن بين الاستعجال الاجتماعي والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية.


وسجل أخنوش أن المرحلة عرفت، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، من خلال تعميم التغطية الصحية الشاملة، وإطلاق نظام الدعم الاجتماعي المباشر، والاستثمار في التعليم والصحة والحوار الاجتماعي، مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين، دون التفريط في التوازنات الكبرى. واعتبر أن هذه الاختيارات تؤكد أن الإصلاح الحقيقي ممكن متى توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.
وفي ختام كلمته، أعلن عزيز أخنوش قراره عدم الترشح لولاية ثالثة، معتبرا أن تحديد الولايات خيار مبدئي يعكس إيمان الحزب بالتجدد ورفضه لمنطق الزعامات الدائمة، ومؤكدا أن القيادة مسؤولية مؤقتة وليست امتيازا دائما. كما عبر عن ثقته في القيادة الجديدة، داعيا مناضلات ومناضلي الحزب إلى الالتفاف حولها بروح جماعية ومسؤولة، استعدادا للاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.


واختتم أخنوش مداخلته بنبرة إنسانية، شدد فيها على أن ما تحقق لم يكن جهد فرد، بل ثمرة عمل جماعي وتراكم ثقة امتد لسنوات، معربا عن امتنانه لمناضلات ومناضلي الحزب، ولأسرته وفريق عمله، ومجددا التزامه بخدمة الوطن تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في إطار الاستقرار والديمقراطية وصيانة كرامة المواطن، ومؤكدا أن المرحلة المقبلة تمثل انتقالا هادئا ومسؤولا يفتح المجال أمام جيل جديد من القيادة السياسية داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.