هل تحترم محاضر مخالفات السير فعلا مقتضيات القانون؟

تحقيقـ24 تحقيقـ24

في طريقي نحو بلدتي، كان كل شيء عاديا: طريق مألوف امر منه يوميا، سرعة مضبوطة، ونقطة مراقبة للدرك الملكي اعتدت المرور بها، وكان التوقف متوقعا، باعتبار المراقبة اجراء روتيني معتاد… إلى أن قيلت جملة واحدة قلبت كل شيء.

 لقد تجاوزت السرعة المسموح بها قانونا.

بهذه العبارة حسم الأمر من طرف العون محرر المخالفة، دون نقاش فعلي ودون إقناع حاولت التوضيح، مؤكدا أنني لم أتجاوز السرعة القانونية وأن معرفتي المسبقة بوجودهم تجعلني أكثر حذرا، لا العكس.
لكن الجواب جاء في صيغة لا تترك مجالا للاختيار: إما الأداء الفوري أو سحب رخصة السياقة.

أمام هذا الوضع، اخترت الأداء تفاديا لاي تعقيدات أكبر، غير أنني رفضت التوقيع على المحضر، باعتبار أنني أنازع في المخالفة.
ومن هنا تبدأ المفارقة.

أشار العون في محضره إلى “رفض التوقيع“، ثم توقف. لا سبب ولا توضيح.

وعندما نبهته إلى ضرورة تضمين سبب الرفض، كان الجواب بسيطا وصادما في آن واحد:
“المحضر لا يتضمن خانة لذلك، ولا يتيح أصلا تضمين هذا البيان، ولم يسبق لي أن ضمنته.”

وعند معاينة المحضر، تبين أنه لا يتضمن أي بيان لسبب رفض التوقيع، بل ولا يتيح أصلا إدراجه.

هذه اللحظة البسيطة، التي قد تمر دون اعتبار عند عامة الناس، تخفي في الواقع خللا قانونيا أعمق مما يبدو.

ذلك أن مخالفات السير لا تقتصر فقط على المعاينة، بل تؤطرها مقتضيات قانونية دقيقة، على رأسها القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير على الطرق، كما تم تعديله بالقانون 116.14، وخاصة المواد من 184 إلى 206.

ومربط الفرس هنا هي المادة 194 من هذا القانون، والتي تنص في فقرتها الثامنة على أنه يجب تحرير محضر المخالفة وفق مقتضيات المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية.
وهذه الإحالة ليست شكلية، بل جاءت بصيغة الوجوب، بما يفيد أن محضر المخالفة ملزم باحترام نفس الشروط الشكلية المفروضة على المحاضر ذات الطبيعة القضائية.

إلى حدود الآن، يبدو النص واضحا.
فالمادة 24 من قانون المسطرة الجنائية، في فقرتها الثامنة، تنص على ما يلي:
“يتضمن المحضر كذلك الإشارة إلى رفض التوقيع أو الإبصام أو عدم استطاعته، مع بيان أسباب ذلك.”

أي أن المشرع لم يكتف بتسجيل الرفض، بل ألزم ببيان سببه.
غير أن الواقع العملي يكشف أن محاضر المخالفات الجاهزة يتم فيها الاكتفاء بعبارة “رفض التوقيع”، وكأن سبب هذا الرفض غير ذي أهمية.

كما انها لا تتم الإشارة فيها إلى إمكانية الإبصام، رغم أن العديد من المواطنين لا يحسنون التوقيع، ويظل الإبصام حقا قانونيا بديلا عنه.

والإشكال هنا لا يقف عند حدود الممارسة فقط، بل يمتد إلى طبيعة المحاضر نفسها، إذ أن محاضر مخالفات السير تكون في الغالب عبارة عن نماذج معدة سلفا، تتضمن خانات محددة ومقيدة، لا تتيح للعون محرر المحضر إمكانية تضمين بعض البيانات الجوهرية، ومنها بيان سبب رفض التوقيع او إمكانية البصم.
وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا، يتمثل في تعارض هذه النماذج الجاهزة مع المقتضيات القانونية الملزمة، التي توجب تضمين هذا البيان، مما يجعل المحضر، في هذه الحالة، غير منسجم مع النص القانوني.

وقد يتساءل البعض، لماذا لا يعد هذا التفصيل مسألة بسيطة؟؟
لأن سبب رفض التوقيع ليس مجرد تفصيل شكلي، بل هو الفارق بين محضر يعكس الحقيقة ومحضر يفرض رواية واحدة.
فسبب رفض التوقيع ليس مجرد بيان إضافي، بل هو ترجمة لموقف قانوني (منازعة في المخالفة)، ومؤشر على احتمال وجود خطأ في المعاينة، ووسيلة تتيح للقاضي فهم سياق الواقعة، و يشكل الضمانة الوحيدة للمخالف لتسجيل موقفه في مواجهة محضر يتمتع بقوة اثبات خاصة، بما يحقق الحد الأدنى من التوازن بين جهاز الدولة وحقوق المواطن.

ذلك أن المشرع، كما خول لمحرر المحضر سلطة إثبات المخالفة وتحرير المحضر وفق ما يراه ثابتا لديه، فإنه بالمقابل خول للمواطن حقا مقابلا يتمثل في عدم التوقيع وبيان سبب هذا الرفض، كآلية قانونية للتعبير عن منازعته في المخالفة، وهو توازن دقيق بين سلطة الضبط وحقوق الدفاع، لا يكتمل إلا باحترام الطرفين لمقتضياته.
وبدون هذا السبب، يتحول المحضر إلى وثيقة أحادية، تعكس وجهة نظر واحدة فقط، و تفرغ حق المنازعة من مضمونه العملي.

وقانونا، فإن تحرير محضر رفض صاحبه التوقيع دون تضمين سبب رفض التوقيع يشكل خرقا صريحا لمقتضى قانوني ملزم.
ويترتب عن هذا الإخلال المساس بالقوة الإثباتية للمحضر، إذ يغدو غير مستوف لشكلياته الجوهرية، مما يجعله فاقدا لحجيته في الإثبات، وذلك طبقا لمقتضيات المادة 289 من قانون المسطرة الجنائية، التي تقضي بأن المحاضر التي لا تستوفي الشروط الشكلية التي يفرضها القانون يكون مآلها الابطال.

المفارقة الحقيقية هنا ليست في واقعة المخالفة ولا أداء غرامة، بل فيما تكشف عنه من فجوة بين نص قانوني واضح يفرض شكليات دقيقة، وممارسة عملية تختزل هذه الشكليات أو تتجاوزها.
فإذا كان النموذج المعتمد للمحضر لا يتيح تضمين سبب الرفض، فهل يعقل أن يتحمل المواطن تبعات هذا القصور؟

ذ. عبد الرحيم البوزاري

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.