تدشين مستشفى بتافراوت كان يفترض أن يكون لحظة تاريخية تُكتب بحروف من فخر واعتراف، لحظة تنصف كل من ساهم في ترسيخ ثقافة العمل الصحي بالمنطقة، لكن ما حدث كشف عن مفارقة مؤلمة لا يمكن السكوت عنها.
كيف يعقل أن تُقام مراسيم رسمية بحضور رئيس الحكومة، وترفع فيها شعارات العناية بالصحة وتقريب الخدمات، في حين يتم إقصاء الجمعيات التي كانت لسنوات العمود الفقري للعمل الصحي بتافراوت ونواحيها؟
جمعيات لم تكن مجرد أسماء على الورق، بل كانت حاضرة في الميدان حين غابت الإمكانيات، نظمت القوافل الطبية حين كانت المعاناة تقطع بالكيلومترات، وواكبت الساكنة بجهود تطوعية صادقة دون انتظار دعوة أو تصفيق.
إن هذا الإقصاء ليس مجرد “سهو تنظيمي” كما قد يُحاول البعض تبريره، بل هو رسالة سلبية تمس جوهر الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني. أي منطق هذا الذي يحتفي بالمؤسسات وينسى من مهدوا الطريق لها؟ وأي تنمية صحية يمكن الحديث عنها إذا تم تهميش الفاعلين الحقيقيين على الأرض؟
إن تجاهل هذه الجمعيات في لحظة رمزية كهذه يعتبر تقزيماً لدورها، وضرباً لمصداقية الخطاب الرسمي الذي يؤكد دوماً على أهمية إشراك المجتمع المدني كشريك أساسي في التنمية. بل أكثر من ذلك، هو إشارة خطيرة قد تُثبط عزيمة المتطوعين وتزرع الشك في جدوى العطاء.
تافراوت اليوم لا تحتاج فقط إلى بنايات ومعدات، بل تحتاج إلى روح التعاون والاعتراف المتبادل. تحتاج إلى مسؤولين يدركون أن التنمية لا تُصنع في المنصات الرسمية فقط، بل تُبنى أيضاً بأيدي أولئك الذين يشتغلون في صمت.
فهل يُعقل أن يُقصى من حملوا مشعل الصحة في أحلك الظروف من لحظة جني الثمار؟ وهل أصبح الوفاء عبئاً في زمن تُدار فيه الأمور بمنطق الانتقائية؟
إن ما حدث يستوجب توضيحاً صريحاً، ومراجعة حقيقية لكيفية تدبير مثل هذه المحطات. فتكريم الجهود لا يكون بالكلمات، بل بالاعتراف والحضور، وأبسطه دعوة مستحقة لمن كانوا دائماً في الموعد.
في المقابل، وهنا بيت القصيد: الجمعيات التي تشتغل لوجه الله لا تنتظر دعوة، ولا تركض خلف الصفوف الأمامية، ولا يعنيها إن ذُكر اسمها أو غُيّب.
ختاماً، إذا كان تدشين المستشفى خطوة إلى الأمام، فإن إقصاء الفاعلين المدنيين هو خطوتان إلى الوراء… والتنمية الحقيقية لا تسير بهذا المنطق.
الباهي عابد
رئيس جمعية (2B) لدعم الصحة