بقلم :عابد الباهي
المناسبة كانت بسيطة وحفلة الشاي انتهت كما تنتهي كل اللقاءات. التقطت الصور وغادر الجميع.
لكن بالنسبة إلي لم ينته شيء.
قبل أن أغادر اقترب مني رجل لا أعرفه جيدًا وقال بهدوء:
“جميل أن يفكر عابد الباهي وخديجة بوتجدير في فتيات تافراوت فهن أيضًا يحتجن إلى من يؤمن بهن.”
لم يكن يدري أن كلماته سترافقني طوال الطريق.
وأنا أقود سيارتي لم أكن أرى الطريق فقط كنت أرى وجوه تلك الفتيات. لم أر فيهن رياضيات ولا عضوات في جمعية بل رأيت بناتًا يحملن أحلامًا تشبه أحلام أبنائنا جميعًا.
تساءلت بيني وبين نفسي: كم حلمًا ولد في هذه المدينة ثم مات بصمت؟ وكم فتاة كانت تملك الموهبة والإرادة لكنها لم تجد من يقول لها: “لا تستسلمي… نحن معك.”
أحيانًا نظن أن الناس يحتاجون إلى المال لكن مع مرور العمر اكتشفت أن الإنسان قد يعيش عمره كله وهو يبحث عن شيء واحد فقط عن شخص يؤمن به.
أن تجد من يقول لك: “أنا أصدق قدرتك.” قد يغير حياتك أكثر من أي مساعدة أخرى.
ولذلك شعرت أن هذا اللقاء لم يكن مجرد نشاط جمعوي ولم تكن قيمته في ما قدم فيه بل في الرسالة التي حملها.
رسالة تقول لكل فتاة في تافراوت: لستِ وحدك هناك من يراك ومن يقدر تعبك ومن يتمنى أن تنجحي.
وأجمل ما في الأمر أن هذه الرسالة لم تأتت بالكلام فقط بل ترجمت إلى مبادرة احتضنتها شركة 2Bلصناعة الأدوية التي اختارت أن تكون إلى جانب فتيات تافراوت لا بحثًا عن صورة أو إشادة بل إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان وأن المجتمع الذي يمنح الثقة لبناته يمنح المستقبل لمدينته كلها.
أتمنى من كل قلبي ألا يأتي يوم تنظر فيه فتاة من منطقتنا إلى حياتها وتقول:
“كان لي حلم لكنه مات لأن أحدًا لم يصدق أنني أستطيع.”
لو حدث ذلك فلن تكون هي الخاسرة وحدها.
سنكون نحن جميعًا قد خسرنا.
لأن المجتمع الذي يترك أحلام بناته تذبل يخسر نصف مستقبله وهو لا يشعر.
لقد علمتني الحياة أن الطرق تعبد والبنايات تشيد والمشاريع تنجز لكن أصعب بناء على الإطلاق هو بناء الإنسان.
والإنسان لا يبنى بالحجارة بل بالثقة.
ولهذا خرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر أن مسؤوليتنا أكبر بكثير من تنظيم مناسبة أو التقاط صورة تذكارية.
مسؤوليتنا أن نكون ولو مرة واحدة في حياة فتاة السبب الذي يجعلها تتمسك بحلمها بدل أن تتخلى عنه.
إذا استطعنا أن نمنح فتاة واحدة شجاعة إضافية لتواصل طريقها وإذا جعلناها تنام تلك الليلة وهي تؤمن بنفسها أكثر مما كانت تؤمن بالأمس فقد ربحنا شيئًا لا يقاس بالمال ولا بالتصفيق.
بعد سنوات لن يتذكر الناس ماذا شربوا في تلك الأمسية ولا ماذا قيل ولا عدد الحاضرين.
لكنني أتمنى أن تتذكر إحدى تلك الفتيات شعورًا واحدًا فقط
أنها في يوم من الأيام وجدت من قال لها دون ضجيج:
“احلمي فنحن نؤمن بك.”
وأتمنى أن يبقى هذا الإيمان حيًا لا في شركة 2B وحدها بل في كل بيت وكل أسرة وكل جمعية وكل مؤسسة لأن مسؤولية بناء الإنسان لا يحملها شخص واحد بل يحملها مجتمع بأكمله.
