لحسن السعدي: المنافسة الانتخابية تستوجب الوضوح وتحمل المسؤولية واحترام ذاكرة المواطنين

تحقيقـ24 تحقيقـ24

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول طبيعة الممارسة السياسية وحدود المسؤولية التي تتحملها الأحزاب والفاعلون المشاركون في التجارب الحكومية، خاصة في ظل اختلاف الخطابات والمواقف مع تغير المواقع السياسية.

وفي هذا السياق، أثار لحسن السعدي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار وكاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، مسألة ما سماه «الوفاء السياسي»، مركزا على ضرورة انسجام المواقف السياسية مع المسؤوليات التي سبق أن تحملتها الأطراف خلال مراحل سابقة.

ويرى السعدي أن المسؤولية السياسية لا ينبغي أن تقاس فقط بالقرارات التي يتخذها الفاعلون أثناء وجودهم في مواقع التدبير، وإنما كذلك بطريقة تعاملهم مع تلك القرارات بعد تغير الظروف والمواقع. ومن هذا المنظور، يطرح سؤالا حول مدى قدرة الفاعلين السياسيين على الحفاظ على قدر من الاستمرارية في مواقفهم، وعدم التعامل مع الماضي السياسي بصورة انتقائية وفق مقتضيات اللحظة الانتخابية.

ويستند هذا الطرح إلى اعتبار أن التجارب الحكومية القائمة على التحالفات تفرز، بطبيعتها، مسؤولية مشتركة بين مختلف مكوناتها، باعتبار أن القرارات الأساسية تمر عبر مؤسسات وآليات دستورية وحكومية، ولا يمكن اختزالها، في الأصل، في إرادة طرف سياسي واحد.

وبناء على ذلك، يعتبر السعدي أن تقييم حصيلة أي تجربة حكومية ينبغي أن يتم في إطار من الموضوعية والإنصاف، بما يشمل الاعتراف بالنجاحات والإخفاقات معا، وتحمل كل طرف لنصيبه من المسؤولية بحسب موقعه ودوره في صناعة القرار.

وفي المقابل، يؤكد السعدي أن مراجعة الأحزاب لمواقفها تظل أمرا مشروعا في الممارسة الديمقراطية، وأن من حق أي تنظيم سياسي أن يقدم قراءة نقدية للتجارب السابقة، وأن يقترح بدائل وبرامج جديدة. غير أنه يميز بين النقد السياسي المشروع وبين ما يعتبره تنصلا من مسؤولية مشتركة سبق تحملها داخل التجربة الحكومية.

ويأتي هذا النقاش في سياق انتخابي تزداد فيه حدة التنافس بين الأحزاب، حيث يمكن أن تتحول الحصيلة الحكومية السابقة إلى إحدى أدوات النقاش السياسي بين مختلف المتنافسين. وفي هذا الإطار، يحذر السعدي من أن يتحول النقاش الانتخابي من تقييم السياسات والبرامج إلى تبادل الاتهامات أو إعادة تقديم الماضي السياسي وفق حسابات المرحلة.

كما يربط السعدي بين أخلاقيات الممارسة السياسية وبين مسألة استعادة ثقة المواطنين، خصوصا الشباب، معتبرا أن صورة الفعل السياسي لدى المواطنين تتأثر بدرجة كبيرة بمدى وضوح الخطاب واستمراريته وقدرة الفاعلين على تحمل مسؤولية مواقفهم السابقة.

ويرى أن المنافسة الانتخابية يفترض أن تقوم على أساس تقديم البرامج والحلول والبدائل، وليس على مجرد استمالة المرشحين أو إعادة إنتاج الشعارات وأساليب التنظيم، بما يجعل التنافس السياسي مناسبة لمقارنة المشاريع وليس فقط لتبادل الاتهامات.

ويضع السعدي في هذا السياق ذاكرة المواطن باعتبارها عنصرا أساسيا في تقييم التجارب السياسية، مشيرا إلى أن الناخب يدرك طبيعة المواقع التي شغلتها مختلف الأطراف، ومن شارك في الحكومة، ومن تحمل مسؤولية القرار، ومن اختار المساندة أو المعارضة.

وبالتالي، فإن استعادة ثقة المواطنين، وفق هذا الطرح، لا تمر عبر التنصل من الماضي، وإنما عبر تقديم حصيلة واضحة وصادقة، والاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق، ثم عرض مشروع سياسي مستقبلي قابل للتقييم والمساءلة.

وتحمل هذه المواقف، في جوهرها، دعوة إلى جعل الاستحقاقات الانتخابية مناسبة لتعزيز النقاش العمومي حول البرامج والسياسات والبدائل، بدل اختزال المنافسة في الحسابات الظرفية. كما تعيد إلى الواجهة سؤال الأخلاق السياسية باعتبارها أحد عناصر بناء الثقة بين المواطن والفاعل السياسي.

ويخلص السعدي إلى أن السياسة لا ينبغي أن تختزل في التنافس على المواقع، وإنما ترتبط كذلك بالوفاء بالكلمة، وتحمل المسؤولية، واحترام التعاقدات السياسية، والحفاظ على صلة متوازنة مع ذاكرة المواطنين، معتبرا أن بعض الأساليب التي يعتمدها الخصوم السياسيون قد تساهم في تعميق عزوف الشباب والمواطنين عن الفعل السياسي بدل المساهمة في استعادة الثقة فيه.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.