محمد مسير أبغور
عاد الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة الأسبق سعد الدين العثماني، إلى واجهة النقاش السياسي داخل الحزب، عقب تصريحات للأمين العام عبد الإله بنكيران، وُجّهت إليه فيها انتقادات مباشرة، في سياق يبدو أنه يعكس استمرار التوترات والنقاشات المرتبطة بمرحلة تدبير الحزب للحكومة وعلاقته بنتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت عاد فيه بنكيران إلى واجهة المشهد السياسي بقوة، بعد النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي مكنت الحزب من استعادة حضور وازن داخل مجلس النواب مقارنة بالنتائج التي حصل عليها سنة 2021.
وترافقت عودة الحزب مع تصريحات ومواقف سياسية لبنكيران أثارت نقاشاً واسعاً، خصوصاً تلك التي شملت انتقادات لعدد من الأحزاب والفاعلين السياسيين، إضافة إلى مواقف مرتبطة بقضايا وطنية وإقليمية حساسة. وقد اعتبر بعض المتابعين أن هذه التصريحات تعكس تشدداً في الخطاب السياسي، بينما رأى آخرون أنها جزء من المواجهة السياسية التي يخوضها الحزب في مرحلة ما بعد الانتخابات.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات بنكيران تجاه سعد الدين العثماني، والتي تضمنت دعوته إلى الابتعاد عن تدبير الشأن الداخلي للحزب، وعدم التدخل في بعض الملفات التي يعتبرها الأمين العام الحالي من اختصاص القيادة الحالية. وقد أثارت هذه التصريحات تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة الحالية بين الرجلين، خصوصاً أنهما قادا الحزب والحكومة في مراحل متعاقبة.
ويبرز ملف اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، أو ما يعرف باتفاقيات أبراهام، باعتباره أحد الملفات التي ما تزال حاضرة في النقاش الداخلي للحزب. فقد ارتبطت هذه القضية بمرحلة حكومة سعد الدين العثماني، غير أن تحميل المسؤولية السياسية لشخص واحد عن القرار يظل مسألة تحتاج إلى التمييز بين المسؤوليات المؤسساتية والسياسية، وبين المواقف الفردية داخل الحزب.
كما أثارت مشاركة العثماني مؤخراً في مؤتمر دولي بمدينة إسطنبول اهتماماً سياسياً وإعلامياً، خصوصاً أنها جاءت بالتزامن مع الجدل الذي أعقب تصريحات بنكيران. وقد شارك العثماني في المؤتمر الدولي الثالث عشر لبديع الزمان سعيد النورسي، المنظم بين 4 و6 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الحلول القرآنية لمشكلات الحضارة المعاصرة»، بمشاركة أكاديميين وباحثين من عشرات الدول.

وبحسب المعطيات المنشورة من الجهة المنظمة، فقد توصل المؤتمر إلى 668 ملخصاً بحثياً من خمس قارات و60 دولة، قبل اختيار 262 بحثاً ضمن البرنامج النهائي، وهو ما يؤكد الطابع الدولي والأكاديمي لهذا الموعد.
وتطرح مشاركة العثماني في هذا المؤتمر سؤالاً سياسياً آخر حول طبيعة حضوره الخارجي بعد مغادرته رئاسة الحكومة والأمانة العامة للحزب، وما إذا كان ذلك يدخل في إطار نشاط فكري وأكاديمي مستقل، أم أنه قد يُقرأ سياسياً داخل العدالة والتنمية في ضوء العلاقة المتوترة بين القيادة الحالية وبعض القيادات السابقة.
وفي المقابل، لا تتوفر معطيات موثوقة تسمح بالجزم بأن مشاركة العثماني في المؤتمر كانت مرتبطة بتحركات سياسية خارجية أو بمحاولات لبناء علاقات تنظيمية مع جهات سياسية أجنبية، ولذلك يبقى هذا الجانب في دائرة التأويل السياسي إلى حين ظهور معطيات موثقة.
وبين خطاب القيادة الحالية للحزب ومواقف القيادات السابقة، يبدو أن العدالة والتنمية يواجه مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، خصوصاً بعد عودته إلى البرلمان بنتائج أفضل من انتخابات 2021.
ويبقى السؤال المطروح: هل يعكس هجوم بنكيران على العثماني مجرد خلاف شخصي وسياسي بين قيادتين سابقتين وحاليتين، أم أنه جزء من محاولة لإعادة رسم حدود المسؤولية داخل الحزب عن المرحلة الحكومية السابقة ونتائجها السياسية؟
وفي انتظار توضيحات أكثر من المعنيين بالأمر، تظل قراءة خلفيات هذا الخلاف مرتبطة بما سيصدر عن بنكيران والعثماني وقيادة حزب العدالة والتنمية من مواقف أو معطيات جديدة.