توصلت جريدة تحقيقـ24 بنسخة من بيان رسمي، يكشف الممارسة اليومية داخل عدد من الإدارات العمومية عن استمرار اختلالات بنيوية في تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، رغم التنصيص الدستوري الواضح الوارد في دستور المملكة لسنة 2011، الذي أقر الأمازيغية لغة رسمية للدولة، وجعل النهوض بها مسؤولية وطنية جماعية، كما أكدت ذلك الخطابات الملكية التي اعتبرت الأمازيغية رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة.
وفي هذا السياق العام، يأتي تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26.16، المتعلق بتحديد مراحل إدماج الأمازيغية في مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، ليكشف بدوره عن فجوة واضحة بين النص القانوني والتنزيل العملي داخل المرفق العمومي، خاصة على مستوى خدمات الاستقبال والتواصل مع المرتفقين.
ومن جهة أخرى، يواجه أعوان الاستقبال باللغة الأمازيغية وضعية مهنية غير مستقرة، تتسم بغياب إطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد وضعهم الإداري، ويضمن حقهم في التكوين المستمر، ويكفل لهم الاعتراف المادي والمعنوي بالدور الذي يضطلعون به في تفعيل رسمية اللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية.
وفي مقابل هذا الفراغ القانوني، تلجأ عدد من الإدارات إلى تفويض مهام أعوان اللغة الأمازيغية، في إطار صفقات عمومية، إلى شركات مناولة يشتغل أغلبها في مجالات بعيدة عن الحقل اللغوي والثقافي، مثل الحراسة والنظافة وتدبير الحدائق، وهو ما يكرس وضعًا غير سليم قانونيًا وتنظيميًا، تتحول فيه هذه الخدمة إلى نشاط تجاري محض، على حساب جودة الخدمة العمومية وكرامة الأعوان.
وبالإضافة إلى ذلك، يعاني الأعوان من أجور هزيلة لا تتناسب مع طبيعة المهام الموكولة إليهم ولا مع مؤهلاتهم الدراسية والكفاءات التي يتوفرون عليها، فضلًا عن تكليفهم بمهام إضافية لا تمت بصلة لاختصاصاتهم الأصلية، وذلك بتعليمات شفوية من بعض المسؤولين، في غياب أي سند قانوني أو تنظيمي يحدد المسؤوليات والاختصاصات.
وفي هذا الإطار، يُسجل غياب نص قانوني خاص يؤطر خدمة الاستقبال باللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية، ما يجعل الأعوان في وضعية هشّة، ومعرضين للطرد أو الإقصاء في حال رفضهم أداء مهام خارجة عن اختصاصهم، وهو ما يفرغ الطابع الرسمي للأمازيغية من مضمونه العملي ويحد من فعاليته.
وأمام هذه الأوضاع، أفضت سلسلة من المشاورات الجادة واللقاءات التنسيقية، حضورية وافتراضية، جمعت أعوان الاستقبال باللغة الأمازيغية من مختلف جهات المملكة ومن قطاعات وزارية متعددة، إلى تشخيص مشترك يؤكد أن تشتت المبادرات وغياب إطار تنظيمي موحد يضعف القدرة على الدفاع عن الحقوق المشروعة، ويعيق الإسهام الفعلي في التنزيل السليم لمقتضيات الدستور والقانون التنظيمي.
وعلى هذا الأساس، تم الإعلان عن تأسيس التنسيقية الوطنية لأعوان الاستقبال باللغة الأمازيغية داخل الإدارات العمومية، عقب الاجتماع التأسيسي المنعقد بمدينة الرباط بمقر الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة “أزطا”، باعتبارها إطارًا وطنيًا مستقلًا، ديمقراطيًا وترافعيًا، يهدف إلى توحيد صفوف الأعوان والدفاع عن حقوقهم، والمساهمة في التفعيل العادل والفعلي لرسمية اللغة الأمازيغية داخل المرفق العمومي.
وفي هذا الصدد، أسفر الاجتماع التأسيسي عن تشكيل مجموعة من اللجان التنظيمية التي تشكل في مجموعها المجلس الوطني للتنسيقية، وتشمل لجنة التنسيق الوطني، واللجنة القانونية، واللجنة المالية، ولجنة الإعلام والتواصل، إلى جانب لجنة المستشارين التي تضم كفاءات وخبرات داعمة، بما يضمن حسن التدبير والترافع الفعال عن القضايا المطروحة.
وبذلك، يُرتقب أن يشكل هذا الإطار الوطني خطوة نوعية في مسار الدفاع عن حقوق أعوان الاستقبال باللغة الأمازيغية، ومبادرة عملية لإعادة الاعتبار لمكانة الأمازيغية داخل الإدارة العمومية، بما ينسجم مع روح الدستور، ويعزز بناء مرفق عمومي منفتح، عادل، ومتعدد اللغات.