الانتخابات بالمغرب: بين هندسة التوازن وحدود التغيير

سمية الكربة سمية الكربة

ابتسام العيناوي

في قراءة أكاديمية تجمع بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي، يقدم الباحث المغربي زكرياء أقنوش تحليلاً معمقًا للانتخابات المغربية باعتبارها أكثر من مجرد آلية ديمقراطية للتداول على السلطة، بل أداة لإدارة التوازنات السياسية وإعادة إنتاج النظام السياسي ضمن حدود مضبوطة.

يرى الباحث أن الدولة طورت ما يسميه “العقل الانتخابي”، وهو نمط تدبير يقوم على هندسة دقيقة للعملية الانتخابية بهدف الحفاظ على الاستقرار وضمان مركزية المؤسسة الملكية داخل النسق السياسي. ومن هذا المنطلق، تصبح الانتخابات فضاءً لاحتواء الصراع السياسي وتنظيمه بدل أن تكون مجالًا مفتوحًا للتغيير الجذري.

ويحلل العمل أدوات “الهندسة الانتخابية” مثل التقطيع الانتخابي، ونمط الاقتراع، والقاسم الانتخابي، باعتبارها وسائل تمنع هيمنة حزب واحد وتفرض منطق التحالفات، بما يكرّس دور السلطة كفاعل رئيسي في ضبط التوازنات السياسية.

كما يناقش الكتاب ما يسميه “الفوبيات السياسية”، المرتبطة بتخوفات الدولة من صعود التيارات الراديكالية أو تأثير بعض الفاعلين خارج الحدود التقليدية للحقل السياسي، معتبراً أن هذه الهواجس تؤثر في سياسات الإدماج والاستبعاد داخل المجال السياسي.

وفي مقاربته لظاهرة العزوف الانتخابي، يقدم الباحث تفسيرًا أنثروبولوجيًا يعتبر الامتناع عن التصويت تعبيرًا صامتًا عن ضعف الثقة في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير فعلي، في ظل استمرار آليات التحكم في التوازنات السياسية.

ويخلص المؤلف إلى أن مسار الدمقرطة في المغرب يظل قائمًا على تفاوض دائم بين مطالب التغيير المجتمعي ومنطق الاستقرار السياسي، حيث تكمن خصوصية التجربة المغربية في قدرتها على التوفيق بين استمرارية التقاليد السياسية ومتطلبات التحديث المؤسساتي.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.