حالة التنافي أم التكامل : الأستاذ الجامعي ومهنة المحاماة في منظومة العدالة المغربية .

تحقيقـ24 تحقيقـ24

يشهد تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب تحولات عميقة في ظل النقاش التشريعي الذي واكب مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المهنة، وهو نقاش أعاد إلى الواجهة إشكالات بنيوية ترتبط بالتكوين القانوني، والتخصص، والاستقلالية المهنية، وحالات التنافي، فضلا عن العلاقة المعقدة بين الجامعة والممارسة المهنية. ولم يعد هذا النقاش مجرد خلاف مهني ظرفي، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بمستقبل منظومة العدالة المغربية وبطبيعة الكفاءات القانونية القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والرقمية والتشريعية المعاصرة.

فالمحاماة الحديثة لم تعد تُختزل في بعدها الإجرائي التقليدي المرتبط بالتقاضي، بل تحولت إلى مهنة قانونية معرفية وتقنية مركبة، تتقاطع مع مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحكيم الدولي، والجرائم الرقمية، والامتثال القانوني، والمنافسة، والاستثمار، والأمن السيبراني، والقانون الدولي للأعمال. وهو تحول جعل الممارسة المهنية في حاجة متزايدة إلى العمق الأكاديمي والتخصص العلمي، بقدر حاجتها إلى الخبرة العملية والتجربة الميدانية، بما يفرض إعادة التفكير في مصادر تكوين المحامي وأدوات اشتغاله.

ومن هذا المنطلق، يبرز خيط ناظم مركزي مفاده أن تحديث مهنة المحاماة لم يعد قائما على الفصل بين التكوين الأكاديمي والممارسة المهنية، وإنما على إعادة هندسة العلاقة بين الجامعة والمحاماة في اتجاه تكامل وظيفي منضبط، يزاوج بين الكفاءة العلمية ومتطلبات التمرين والخبرة التطبيقية، باعتبارهما معا يشكلان أساس جودة الدفاع وضمانات العدالة.

في هذا السياق، يطفو إلى السطح نقاش جوهري حول موقع الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون داخل مهنة المحاماة، ومدى إمكانية التوفيق بين وظيفته الأكاديمية والممارسة المهنية، في ظل القواعد المنظمة لحالات التنافي سواء في قانون مهنة المحاماة أو في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

فالقانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 أكتوبر 2008، كرس مبدأ استقلال المحامي باعتباره أساسا جوهريا للمهنة، حيث يتضح من فلسفته العامة أن المحاماة مهنة حرة مستقلة، تتنافى مع كل نشاط من شأنه المساس باستقلال المحامي أو وضعه في حالة تبعية أو خضوع إداري.

وفي هذا الإطار، نصت المادة 7 من القانون المذكور على حالات التنافي، معتبرة أن ممارسة المحاماة تتنافى مع الوظائف الإدارية والقضائية، ومع كل نشاط من شأنه الإخلال باستقلال المحامي أو بكرامة المهنة، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية حرية الدفاع وضمان استقلال القرار المهني.

كما أن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر بالظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبراير 1958، يقوم بدوره على مبدأ منع الجمع بين الوظيفة العمومية والأنشطة المهنية الخاصة المدرة للربح، تكريسا لمبدأ التفرغ للمرفق العام، ومنعا لتضارب المصالح، مع ما يستتبع ذلك من التزام بالحياد والانضباط الإداري.

غير أن هذا الإطار التقليدي للتنافي يزداد تعقيدا حين يتعلق الأمر بالأستاذ الجامعي الباحث، باعتباره يشغل وضعية قانونية خاصة داخل الوظيفة العمومية، تختلف عن باقي الوظائف الإدارية .

فبموجب القانون رقم 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، لا يضطلع الأستاذ الباحث بوظيفة إدارية محضة، بل يزاوج بين التدريس والبحث العلمي والإنتاج المعرفي، والمساهمة في تطوير الفكر القانوني والنقاش التشريعي والاجتهاد القضائي. وهو ما يثير تساؤلا مشروعا حول مدى ملاءمة تطبيق منطق التنافي الصارم عليه بنفس الكيفية المطبقة على باقي فئات الموظفين العموميين.

وتزداد حدة هذا النقاش مع ما أثير خلال مناقشات مشروع القانون رقم 66.23 من توجهات تروم إعادة النظر في شروط ولوج أساتذة التعليم العالي المتخصصين في القانون إلى مهنة المحاماة، عبر منحهم تسهيلات تتعلق بالإعفاء من بعض مراحل التكوين أو تقليص مدة التمرين، باعتبار ما راكموه من كفاءة علمية وخبرة أكاديمية.

غير أن هذا التوجه يطرح إشكالا دقيقا يتعلق بوظيفة فترة التمرين، باعتبارها مرحلة أساسية لضمان الاندماج المهني واكتساب مهارات الترافع وصياغة المذكرات وتدبير الملفات والتعامل مع القضاء والإدارة. فالإعفاء الكلي منها قد يمس بوظيفتها كضمانة مهنية، في حين أن تطبيقها بشكل جامد قد لا يراعي خصوصية الكفاءات الأكاديمية والقضائية.

وتزداد هذه الإشكالية وضوحا عند مقارنتها بوضعية القضاة السابقين الملتحقين بالمحاماة، حيث يقوم انتقالهم على الاعتراف بخبرة قضائية متراكمة في تطبيق القانون وتفسير النصوص، وهو ما يبرر منحهم بعض التسهيلات، مع ما يثيره ذلك من إشكالات مرتبطة بتكافؤ الفرص داخل المهنة وضبط التوازن بين الفئات المهنية.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون يمتلك تكوينا علميا معمقا في تحليل النصوص وتأصيلها وفهم فلسفة التشريع والاجتهاد القضائي والفقه المقارن، وهو ما يشكل قيمة مضافة حقيقية داخل المنظومة المهنية، خاصة في القضايا المركبة وذات الطابع التقني.

غير أن هذه القيمة لا تلغي حقيقة أساسية مفادها أن المحاماة ليست معرفة نظرية محضة، بل هي ممارسة تطبيقية يومية تقوم على الترافع والتفاوض وإدارة الملفات وفهم الواقع القضائي. فالممارسة المهنية تنتج ما يمكن تسميته بالذكاء القانوني التطبيقي”، أي القدرة على تحويل القاعدة القانونية إلى حلول دفاعية واستراتيجية عملية.

وتؤكد التجربة المقارنة أن الأنظمة القانونية الحديثة تجاوزت نسبيا منطق الفصل الصارم بين الجامعة والمهنة. فالأنظمة الأنجلوساكسونية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا، تعتمد نموذجا مرنا يتيح الجمع بين التدريس والممارسة، ويعتبر ذلك جزءا من تطوير جودة التكوين القانوني عبر العيادات القانونية والبحث التطبيقي.

أما الأنظمة ذات التأثير اللاتيني، فقد ظلت تقليديا أكثر تشددا في تكريس منطق التنافي، غير أنها عرفت بدورها تحولات تدريجية نحو الانفتاح على أشكال من التكامل، خاصة في مجالات التحكيم والخبرة والاستشارة القانونية.

في ضوء هذه التحولات، لا يبدو أن الإشكال المطروح في المغرب يتعلق باختيار مطلق بين المنع أو الإباحة، بقدر ما يتعلق بضرورة بناء توازن دقيق بين مقتضيات استقلال المحامي من جهة، والحاجة إلى استثمار الكفاءات الأكاديمية والقضائية من جهة ثانية، في إطار رؤية تقوم على تنظيم التكامل بدل تكريس القطيعة.

ويقتضي ذلك وضع إطار قانوني واضح يحدد بدقة:

  • حالات الجمع الممكنة بين التدريس الجامعي والمحاماة؛
  • ضوابط منع تضارب المصالح؛
  • حدود استغلال الصفة الأكاديمية داخل الممارسة المهنية؛
  • تنظيم فترة التمرين بما يحقق الاندماج المهني دون الإخلال بالكفاءة؛
  • وآليات الرقابة المهنية والأكاديمية لضمان احترام أخلاقيات المهنة.

كما يفرض الأمر تعزيز التكوين التطبيقي داخل الجامعة، وربط التعليم القانوني بمحيط منظومة العدالة، حتى لا يبقى التكوين الأكاديمي منفصلا عن الواقع العملي، مع تشجيع البحث العلمي التطبيقي المرتبط بإشكالات الممارسة المهنية.

ختامًا، فإن العدالة الحديثة لم تعد تقوم على نموذج أحادي للكفاءة القانونية، بل على تصور مركب يزاوج بين التكوين الأكاديمي العميق والخبرة المهنية التطبيقية، وبين البحث العلمي والممارسة العملية، في إطار يضمن استقلال مهنة المحاماة ويعزز جودة الأداء وفق المعايير الدولية ذات الصلة بمهن العدالة.

ومن ثم، يظل مستقبل مهنة المحاماة بالمغرب رهينا بمدى قدرة المشرع على تطوير الإطار التشريعي المنظم للمهنة بما ينسجم مع التحولات الوطنية والدولية، وذلك من خلال إرساء هندسة قانونية حديثة تقوم على التكامل المنضبط بين الجامعة والممارسة المهنية، بما يكفل الرفع من جودة الدفاع، وتعزيز البحث القانوني التطبيقي، وتكوين كفاءات قانونية قادرة على مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها القانون والمجتمع والدولة الحديثة، في سياق الانفتاح على التشريعات الدولية ذات الصلة.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.