فاجعة فاس تكشف أعطاب الرقابة… أسئلة معلّقة تضع الداخلية والتعمير في واجهة المساءلة

سمية الكربة سمية الكربة

أعادت فاجعة انهيار بنايتين بحي المستقبل بمدينة فاس، التي خلّفت عشرات الضحايا بين قتلى وجرحى، تسليط الضوء من جديد على واقع منظومة التعمير والرقابة بالمغرب، وما يعتريها من اختلالات بنيوية يكشف عنها كل حادث مشابه.

ورغم فتح تحقيق قضائي وتقني لتحديد المسؤوليات، يظل الرأي العام يطرح اليوم أسئلة مشروعة تبحث عن إجابات دقيقة وشفافة.

فالمعطيات الأولية تشير إلى أنّ البنايتين المنهارتين شُيدتا في إطار برنامج “فاس بدون صفيح” سنة 2006، غير أن عملية البناء تمت خارج الضوابط القانونية المحددة في مخطط التهيئة، الذي يسمح بطابق سفلي وطابقين فقط.

ورغم ذلك ارتفع عدد الطوابق في بعض البنايات إلى أربع وخمس، في مستويات تجاوزٍ يطرح سؤالاً أساسياً: كيف ارتفعت البنايات بهذه الطريقة دون تدخل من لجان المراقبة؟

كما يبرز سؤال ثانٍ لا يقل أهمية: هل كانت المواكبة التقنية للمستفيدين، المفترض توفيرها في مشاريع البناء الذاتي، حاضرة بالشكل المطلوب؟
فالعديد من السكان اعتمدوا على إمكانيات محدودة وجودة مواد متواضعة، ما انعكس على صلابة البنايات وهشاشتها، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية آليات التتبع بعد التفويت، ودور القطاعات المكلفة في ضمان احترام المعايير.

وبرزت التساؤلات أيضاً حول البرنامج الوطني “مدن بدون صفيح”، الذي تعلن الجهات الوصية عن تحقيقه نتائج مهمة، في الوقت الذي تكشف الفاجعة عن استمرار مخاطر مرتبطة بالبناء غير المطابق، وضعف المواكبة التقنية، وتحول بعض مشاريع إعادة الإيواء إلى فضاءات تتنامى فيها الاختلالات العمرانية.

وفي انتظار ما ستسفر عنه نتائج الخبرة التقنية والبحث القضائي، يجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة مفتوحة:

  • هل قامت السلطات المحلية بدورها الكامل في مراقبة جودة البناء وعلوه؟

  • هل تمت مواكبة المستفيدين من البقع الأرضية بما يكفي لضمان بناء مطابق للمعايير؟

  • وإلى أي حد تتحمل الجماعات الترابية مسؤولية متابعة الأشغال في هذه المشاريع؟

أسئلة معلّقة تضع وزارتي الداخلية والتعمير في واجهة الاهتمام العمومي، ليس من باب الاتهام، بل من باب المطالبة بتوضيح أدوارهما في مسلسل تعميري انتهى بانهيار مأساوي، وتحديد مكامن الخلل التي وفرت الظروف لهذه الكارثة.

وفيما تتواصل عمليات التحقيق، يبقى الأمل معقوداً على أن تشكل فاجعة فاس محطة لإعادة تقييم السياسات العمرانية، وتدعيم آليات الرقابة، وضمان ألا تتحول مشاريع السكن الاجتماعي إلى مصدر خطر بدل أن تكون بديلاً آمناً لآلاف الأسر.

فالأرواح التي فقدت تستدعي أكثر من التعاطف؛ تستدعي كشف الحقيقة، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتكرر المأساة.

وبينما تنتظر الأسر المفجوعة أجوبة شفافة، وتنتظر المدينة تطمينات بأن ما وقع لن يتكرر، تبقى الأنظار موجهة إلى نتائج التحقيقات، وإلى قدرة الدولة على تحويل هذا الحادث الأليم إلى لحظة إصلاح حقيقي تضمن السكن الآمن وتضع حداً لاختلالات عمرانية باتت كلفتها تُقاس بالأرواح.

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.