سامية الكربة – تحقيق24
وثيقة ترافعية مرجعية حول واقع قطاع الشباب بالمغرب، إشكالاته البنيوية، آفاق إصلاحه، والعدالة الاجتماعية والمهنية للأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي
شعار المرحلة: النقاش العمومي طريق الخلاص
تقديم: من تشخيص الواقع إلى بناء أفق الإصلاح
إن الحديث عن قطاع الشباب ليس حديثًا عن قطاع إداري عادي، ولا عن مجموعة من المؤسسات والبنايات والمرافق العمومية، بل هو حديث عن إحدى أهم السياسات العمومية المرتبطة ببناء الإنسان، وتأهيل المجتمع، والاستثمار في الرأسمال البشري، وصناعة مستقبل الوطن.
إن قطاع الشباب، بما يضطلع به من مهام مرتبطة بقضايا الطفولة والمرأة والشباب، يشكل إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتأطير التربوي والثقافي والاجتماعي، ويساهم في ترسيخ قيم المواطنة والتضامن والتسامح والمشاركة، وفي اكتشاف المواهب وتنمية القدرات واحتضان المبادرات.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم واقع القطاع واستشراف مستقبله لا ينبغي أن يقتصر على جرد البرامج والأنشطة أو الحديث عن البنيات والتجهيزات، بل يجب أن ينطلق من سؤال جوهري:
أي قطاع للشباب نريد؟ وأي سياسة عمومية نطمح إلى بنائها؟ وما الشروط المؤسساتية والبشرية والاجتماعية الضرورية لتحقيق ذلك؟
إننا لسنا عدميين، ولا ننكر ما تحقق من مكتسبات، ولا نتجاهل المبادرات التي ساهمت في تحريك عجلة القطاع وإعادة الاعتبار لبعض قضاياه. بل نتحلى بالموضوعية والمسؤولية حين نثمن ما تحقق خلال الولاية السابقة من مبادرات ومحاولات إصلاحية، ونقر بأن المرحلة عرفت تحولات ومجهودات ساهمت في إخراج القطاع من حالة الجمود التي عاشها لسنوات.
غير أن الاعتراف بالمكتسبات لا يعني التغاضي عن الاختلالات، وتثمين المبادرات لا يعني التوقف عن المطالبة باستكمال الإصلاح.
إننا اليوم أمام فرصة حقيقية لبناء مرحلة جديدة، قوامها الجرأة في التشخيص، والشجاعة في اتخاذ القرار، والإرادة السياسية في معالجة الملفات العالقة، والانتقال من التدبير الظرفي إلى الإصلاح المؤسساتي المستدام.
إن غايتنا ليست الانتقاد من أجل الانتقاد، وإنما المساهمة في بناء تصور متكامل لقطاع قوي، ومؤسسات فاعلة، وموارد بشرية منصفة ومحفزة، وسياسة عمومية تستجيب فعلًا لانتظارات المجتمع والشباب.
المحور الأول: قطاع الشباب ورهانات السياسة العمومية
عندما نتحدث عن الشباب، فإننا لا نتحدث فقط عن فئة عمرية، بل عن طاقة اجتماعية واقتصادية وثقافية وإبداعية، وعن فئة تتميز بالحيوية والدينامية والقدرة على المبادرة والتأثير والتغيير.
الشباب ليس مجرد مستفيد من الخدمات العمومية، بل هو فاعل أساسي في التنمية، وشريك في صناعة القرار، وقوة اقتراحية ومجتمعية ينبغي تمكينها من شروط المشاركة والإبداع والمساهمة.
وتتطلب هذه الخصوصية اعتماد سياسة عمومية متجددة، تستوعب التحولات الوطنية والدولية، وتواكب التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والرقمية التي يعيشها الشباب.
إن البرامج الموجهة للشباب لا ينبغي أن تظل متشابهة في فلسفتها وآليات اشتغالها، أو محصورة في أنشطة موسمية ومناسباتية، بل يجب أن تنتقل إلى برامج مبنية على دراسة الحاجيات، واستشراف الانتظارات، وتطوير المهارات، وتحقيق الأثر.
فالشباب اليوم يعيش في عالم مفتوح، تتغير فيه أنماط التواصل والتعلم والتفكير والعمل، وأصبحت تطلعاته أكثر تنوعًا وتعقيدًا. ولذلك، فإن المؤسسات المكلفة بتأطيره مطالبة بتجديد أدواتها ومناهجها وبرامجها.
إننا بحاجة إلى سياسة عمومية تجعل من الشباب نقطة الانطلاق وغاية التدخل، وتنتقل من منطق تقديم الأنشطة إلى منطق صناعة الأثر، ومن منطق استقطاب المستفيدين إلى منطق إشراك الفاعلين.
المحور الثاني: أزمة مؤسسات الشباب بين البنية التحتية والموارد البشرية والحكامة
تعتبر دور الشباب من أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية بالمغرب، فهي ليست مجرد بنايات عمومية، بل فضاءات للتربية والتكوين والتأطير واكتشاف المواهب وترسيخ قيم المواطنة واحتضان المبادرات الشبابية.
لكن الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما زالت هذه المؤسسات تؤدي رسالتها كما ينبغي؟ وهل تتوفر على الشروط الضرورية لمواكبة التحولات التي يعيشها المجتمع والشباب؟
إن أزمة دور الشباب ليست أزمة بنية تحتية فقط، بل هي أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها إشكالات التجهيز والموارد البشرية والحكامة والتدبير والبرامج والرؤية الاستراتيجية.
أولًا: إشكالية البنية التحتية والتجهيزات
لا تزال مجموعة من مؤسسات الشباب تعاني من تقادم البنيات، وضعف الصيانة، ونقص التجهيزات الأساسية، وعدم مواكبة التطور الرقمي والتكنولوجي.
وفي المقابل، توجد مؤسسات حديثة البناء والتجهيز، لكن الاستثمار فيها لا يحقق دائمًا النتائج المنتظرة، بسبب غياب الشروط البشرية والتدبيرية اللازمة لتشغيلها بالشكل الأمثل.
وهنا ينبغي التأكيد على أن بناء المؤسسات وتأهيلها يظل خطوة مهمة، لكنه لا يمثل الإصلاح في حد ذاته.
فالبناية مهما كانت حديثة لا تستطيع بمفردها تنفيذ سياسة عمومية، ولا يمكن للتجهيزات أن تعوض غياب التأطير والتوجيه والمواكبة.
ثانيًا: إشكالية الموارد البشرية
الموارد البشرية هي قلب المؤسسة وروحها الحقيقية.
فمؤسسات الشباب لا تصنعها الجدران، بل يصنعها الإنسان، ولا تتحقق أهدافها بالتجهيزات وحدها، بل بكفاءة الأطر التي تتولى الاستقبال والإنصات والتوجيه والتأطير والبرمجة والتنشيط والمواكبة والتتبع.
إن المتأمل في واقع عدد من المؤسسات يلاحظ وجود خصاص في الموارد البشرية، واتساع المهام الموكولة إلى الأطر العاملة بها، مقابل محدودية الإمكانيات المتاحة وضعف فرص التكوين والتحفيز.
وهذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة وعلى قدرة المؤسسات على تنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها.
فكيف يمكن الحديث عن مؤسسة للشباب في غياب العدد الكافي من الأطر القادرة على الإنصات إلى الشباب، واكتشاف مواهبهم، وتأطير مبادراتهم، ومواكبة مساراتهم؟
ثالثًا: إشكالية الحكامة والتدبير
لا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق أهدافها دون حكامة جيدة، ورؤية واضحة، وتوزيع دقيق للمسؤوليات، وتخطيط واقعي، وتقييم مستمر.
إن الحكامة ليست مجرد إجراءات إدارية أو وثائق وبرامج، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، والنجاعة، والتشاركية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الاختصاصات، وتثمين المبادرات.
كما أن غياب التقييم الحقيقي يجعل بعض البرامج والأنشطة تتكرر دون قياس أثرها، ويحول العمل المؤسساتي أحيانًا إلى مجرد تنفيذ شكلي للأنشطة.
إن نجاح المؤسسة لا يقاس فقط بعدد الأنشطة المنظمة أو عدد المشاركين، وإنما بمدى مساهمة تلك الأنشطة في تطوير شخصية الشباب، وتنمية مهاراتهم، وتعزيز اندماجهم ومشاركتهم المجتمعية.
رابعًا: ضرورة تجديد هوية مؤسسات الشباب
نحن بحاجة إلى مؤسسات شباب عصرية، منفتحة، ذكية، وقادرة على مواكبة التحولات.
مؤسسات تهتم بالتكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي وريادة الأعمال والمهارات الحياتية، إلى جانب الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والتربوية.
كما ينبغي أن تتحول دور الشباب إلى فضاءات حقيقية للقرب والإنصات والمشاركة، تستقبل الشباب وتفهم انتظاراتهم، وتمنحهم فرصة المساهمة في اقتراح البرامج وصناعة المبادرات.
إن دور الشباب ليست مرافق إدارية فقط، بل مدارس للمواطنة، ومختبرات لاكتشاف الطاقات، وجسور نحو المستقبل.
المحور الثالث: الموارد البشرية أساس الإصلاح والتحول المؤسساتي
إذا كانت البنية التحتية تمثل جسد المؤسسة، فإن الموارد البشرية تمثل عقلها وروحها ومحركها الأساسي.
ولا يمكن تصور سياسة عمومية ناجحة في مجال الشباب دون موارد بشرية كافية ومؤهلة ومستقرة ومحفزة، تمتلك الكفاءة المهنية والتربوية والتواصلية اللازمة لتنزيل البرامج والمخططات.
إن الاستثمار في الأطر العاملة بالقطاع ينبغي أن يكون في صلب أي مشروع إصلاحي، وليس مجرد إجراء تكميلي.
ويقتضي ذلك:
– معالجة الخصاص في الموارد البشرية بمختلف المؤسسات.
– تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للأطر.
– إرساء منظومة مستمرة للتكوين والتأهيل.
– تطوير الكفاءات الرقمية والتربوية والتواصلية.
– توفير شروط العمل اللائق والوسائل الضرورية.
– اعتماد معايير موضوعية في توزيع المهام والمسؤوليات.
– إقرار منظومة للتحفيز والتقدير والاعتراف بالمجهودات.
– ضمان الاستقرار المهني واحترام الكرامة والحقوق.
إن التحول الرقمي وتحديث الإدارة لا يمكن أن يكونا بديلًا عن الاستثمار في الإنسان، بل ينبغي أن يكونا وسيلتين لتطوير أدائه وتحسين ظروف اشتغاله.
فلا يمكن مطالبة الأطر بتحقيق نتائج استثنائية دون تمكينها من الإمكانيات والوسائل والمعارف اللازمة.
المحور الرابع: ملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي.. قضية عدالة اجتماعية وامتحان للمسؤولية المؤسساتية
يعتبر ملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي بقطاع الشباب من أبرز الملفات الاجتماعية والمهنية التي تستدعي معالجة جادة ومسؤولة.
إنه ملف يمتد تاريخه لسنوات طويلة، وترتبط به أوضاع اجتماعية ومهنية معقدة، وحقوق ومطالب ظلت معلقة رغم تعدد المراحل والمبادرات والحوارات.
لقد وجدت هذه الفئات نفسها في مواجهة أوضاع مهنية واجتماعية صعبة، في ظل هشاشة التشغيل، ومحدودية الأجور، وضعف الاستقرار، وغياب الإنصاف في عدد من الحقوق والمكتسبات.
والأمر لا يتعلق فقط بعقود عمل أو وضعيات إدارية، بل بمصير فئات بشرية ساهمت لسنوات في ضمان استمرارية المرافق والمؤسسات العمومية، وتحملت مسؤوليات وأعباء مهنية واجتماعية في ظروف لا تتناسب دائمًا مع حجم العمل المبذول.
إن هؤلاء الأطر ليسوا أرقامًا في ملفات إدارية، ولا مجرد يد عاملة قابلة للاستبدال، بل هم جزء من الذاكرة المهنية للقطاع، ومن موارده البشرية التي ساهمت في استمراره.
ومن غير المقبول أن نتحدث عن تطوير المؤسسات وتحسين جودة خدماتها، في الوقت الذي تظل فيه أوضاع جزء من العاملين بها محاطة بالهشاشة وعدم الاستقرار.
إن القضية تتجاوز نزاعًا شغليًا عاديًا، لتطرح أسئلة جوهرية حول العدالة الاجتماعية، والاعتراف بقيمة العمل، والمسؤولية المؤسساتية، وكرامة العامل.
إن كرامة الأطر العاملة بالقطاع ليست امتيازًا، بل حق أصيل، وإنصافها ليس مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل شرط من شروط نجاح الإصلاح.
المحور الخامس: المناولة.. إشكالية اجتماعية ومهنية تستدعي المعالجة
إن تجربة المناولة في تدبير بعض الخدمات والموارد البشرية بقطاع الشباب تطرح أسئلة عميقة حول جدوى هذا الاختيار وآثاره الاجتماعية والمهنية والمؤسساتية.
فحين تتحول المناولة إلى آلية لإدامة الهشاشة المهنية، وتصبح الشركات وسيطًا بين الإدارة والعامل، دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على استقرار الأطر وحقوقها، فإننا نكون أمام اختلال يستوجب المراجعة.
إن الشركات التي تستفيد من المال العمومي مقابل تقديم خدمات ينبغي أن تكون خاضعة لمعايير واضحة في احترام الحقوق، والالتزامات الاجتماعية، وشروط العمل اللائق.
ولا يمكن قبول أن تتحول المناولة إلى قناة لتقليص كلفة العمل على حساب كرامة العامل واستقراره الاجتماعي.
كما لا ينبغي أن يكون استمرار المرافق العمومية مرتبطًا بتشغيل فئات في ظروف هشة، بينما تتحمل هذه الفئات أعباء العمل اليومي وتساهم في ضمان استمرارية الخدمات.
ومن هنا، فإننا نؤكد على ضرورة مراجعة هذا النموذج، ورفض استمرار المناولة باعتبارها حلًا دائمًا لمعالجة الخصاص البنيوي في الموارد البشرية، والمطالبة بإيجاد حل نهائي وعادل ومنصف لوضعية الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي.
لا لشركات المناولة التي تكرس الهشاشة وتنتقص من الحقوق، نعم لحل مؤسساتي عادل ومنصف يحفظ كرامة الأطر ويضمن استقرار المؤسسات.
المحور السادس: العدالة الاجتماعية داخل قطاع الشباب
إن العدالة الاجتماعية لا تتجزأ، ولا ينبغي أن تكون انتقائية أو مرتبطة بالانتماء إلى فئة مهنية دون أخرى.
فحين نتحدث عن العدالة داخل قطاع الشباب، فإننا نتحدث عن الإنصاف في الحقوق والواجبات، وعن تكافؤ الفرص، وعن احترام الكرامة الإنسانية والمهنية لجميع العاملين.
إن مطلبنا اليوم هو إرساء عدالة اجتماعية ومهنية شاملة داخل القطاع، تتجسد في مختلف جوانب الحياة المهنية، ولا تقتصر على تسوية ملف واحد أو تحسين جانب واحد من الأوضاع.
ومن هذا المنطلق، نطالب بما يلي:
1. العدالة في الأجور، وربط الأجر بطبيعة العمل وحجمه ومسؤولياته.
2. العدالة في العطل والاستفادة من فترات الراحة القانونية.
3. العدالة في الوثائق الإدارية والشواهد المهنية.
4. العدالة في توزيع المهام والمسؤوليات واحترام الاختصاصات.
5. العدالة في ظروف العمل وتوفير الوسائل والتجهيزات الضرورية.
6. العدالة في الاستفادة من خدمات مؤسسة الأعمال الاجتماعية.
7. العدالة في الاستفادة من التعويضات والمستحقات.
8. العدالة في فرص التكوين والتأهيل والتطوير المهني.
9. العدالة في التحفيز والاعتراف بالمجهودات.
10. العدالة في الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية.
11. العدالة في المعاملة الإدارية والاحترام المتبادل.
12. العدالة في الولوج إلى الحقوق والمكتسبات دون تمييز غير مبرر.
إننا لا نطالب بامتيازات استثنائية، بل نطالب بحقوق عادلة ومنصفة، تضمن الكرامة وتحفظ التوازن داخل القطاع.
فالعدالة الاجتماعية ليست شعارًا يرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية ينبغي أن يلمسها العامل في أجره، وعطلته، ووثائقه، وظروف عمله، وتكوينه، وحقوقه الاجتماعية.
المحور السابع: التكوين والتأهيل والتحفيز.. من أجل رأسمال بشري مؤهل
إن التكوين المستمر ليس امتيازًا مهنيًا، بل ضرورة مؤسساتية تفرضها طبيعة التحولات التي يعرفها المجتمع.
فالأطر العاملة بقطاع الشباب مطالبة اليوم بمواكبة تحولات تربوية وثقافية ورقمية متسارعة، وهو ما يستوجب إرساء برامج تكوينية دورية تستجيب للحاجيات الفعلية.
ونحن بحاجة إلى منظومة تكوين تشمل:
– التنشيط التربوي والثقافي والاجتماعي.
– التواصل والإنصات والتوجيه والمواكبة.
– التدبير الإداري والمالي والحكامة.
– الرقمنة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
– إعداد المشاريع والبرامج وقياس أثرها.
– تدبير المؤسسات والعمل التشاركي.
– آليات الوقاية من المخاطر الاجتماعية والسلوكية.
– تطوير المهارات القيادية والتنظيمية.
كما ينبغي ربط التكوين بالتحفيز والاعتراف بالكفاءات، لأن تطوير الأداء لا يتحقق بمجرد مطالبة الأطر ببذل المزيد من المجهودات، وإنما بتمكينها من شروط النجاح.
المحور الثامن: المعرفة والتخطيط.. نحو سياسة عمومية مبنية على الأدلة
إن من أبرز الإشكالات التي تواجه السياسات الموجهة للشباب محدودية المعطيات الدقيقة والدراسات المنتظمة التي ترصد حاجيات هذه الفئة وتحولاتها وانتظاراتها.
فلا يمكن بناء برامج ناجعة اعتمادًا على الانطباعات أو التقديرات العامة فقط.
إننا بحاجة إلى الانتقال من التدخلات الظرفية إلى التخطيط العلمي، ومن تكرار البرامج إلى تطويرها بناءً على التقييم والنتائج.
ومن هنا، نقترح إحداث آلية وطنية متخصصة، في شكل مرصد وطني للشباب أو مركز للدراسات والأبحاث أو مؤسسة علمية متخصصة، تتولى:
– دراسة واقع الشباب المغربي وتحليل حاجياته.
– رصد التحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية.
– قياس انتظارات الشباب وتطلعاتهم.
– تقييم أثر البرامج والسياسات العمومية.
– إعداد تقارير دورية حول واقع مؤسسات الشباب.
– تقديم توصيات علمية لصناع القرار.
– تطوير قواعد بيانات تساعد على التخطيط والتدبير.
كما ينبغي تعزيز آليات الاستماع المباشر إلى الشباب، وإشراكهم في إعداد البرامج وتقييمها، حتى تصبح السياسة العمومية انعكاسًا حقيقيًا لاحتياجاتهم وأولوياتهم.
المحور التاسع: حكامة مؤسسات الشباب وإعادة بناء الثقة
إن الإصلاح المؤسساتي لا يتحقق فقط بتوفير الموارد، بل يحتاج إلى حكامة واضحة وعادلة وفعالة.
وهذا يقتضي اعتماد قواعد شفافة في التدبير، وتحديد الاختصاصات، وتوضيح المسؤوليات، واحترام المساطر، وتطوير العمل التشاركي بين الإدارة والأطر والجمعيات والأندية والشباب.
كما يتطلب الأمر ترسيخ ثقافة الحوار والتواصل داخل المؤسسات، وتدبير الاختلاف بروح المسؤولية، والابتعاد عن الممارسات التي من شأنها إضعاف الثقة أو التأثير على المردودية المهنية.
إن المؤسسة الناجحة هي التي تستطيع أن تجمع مختلف الفاعلين حول مشروع مشترك، وتمنح لكل طرف مكانته واختصاصه، وتفتح المجال أمام المبادرة والابتكار.
ونؤكد هنا أن الإنصاف والمصالحة داخل قطاع الشباب ضرورة مؤسساتية، تتطلب معالجة الاختلالات، وإنصاف المتضررين، وترسيخ الاحترام المتبادل، وإعادة الاعتبار للعاملين بمختلف فئاتهم.
كما نطالب بفتح نقاش عمومي مسؤول حول واقع القطاع ومستقبله، بمشاركة الإدارة والأطر والنقابات والجمعيات والباحثين والفاعلين الشبابيين، حتى يصبح الإصلاح مشروعًا جماعيًا لا مجرد قرارات إدارية معزولة.
المحور العاشر: مطالبنا ومقترحاتنا من أجل إصلاح شامل ومنصف
انطلاقًا من هذا التشخيص، ومن إيماننا بضرورة الانتقال من توصيف الاختلالات إلى تقديم الحلول، فإننا نطرح مجموعة من المطالب والمقترحات التي نعتبرها مداخل أساسية لبناء سياسة عمومية متكاملة في مجال الشباب.
أولًا: على مستوى السياسة العمومية والموارد المالية:
1. الرفع من الميزانية المخصصة لقطاع الشباب بما يتناسب مع حجم المسؤوليات والمهام الموكولة إليه.
2. اعتماد رؤية استراتيجية وطنية واضحة ومندمجة في مجال الشباب.
3. ضمان التوزيع العادل للمشاريع والموارد بين مختلف الجهات والمناطق.
4. ربط الاعتمادات المالية بالأهداف والنتائج ومؤشرات قياس الأثر.
5. تعزيز الاستثمار في المؤسسات القريبة من المواطنين، خاصة في المناطق التي تعاني من الخصاص.
ثانيًا: على مستوى البنية التحتية ومؤسسات الشباب
1. تأهيل المؤسسات المتقادمة وإصلاحها وصيانتها.
2. تجهيز المؤسسات بالمعدات التربوية والثقافية والرياضية والرقمية.
3. ضمان شروط السلامة والولوجيات والاستقبال الجيد.
4. وضع برامج سنوية لتحديث المؤسسات ومواكبتها.
5. تحويل دور الشباب إلى فضاءات حقيقية للابتكار والتكوين والمشاركة.
ثالثًا: على مستوى الموارد البشرية:
1. تعزيز الموارد البشرية بمختلف المؤسسات، ومعالجة الخصاص.
2. تسوية ملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي بشكل نهائي وعادل ومنصف.
3. الإدماج المباشر للأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي، وفق حل مؤسساتي وقانوني منصف.
4. إدماج الفئات المعنية في النظام الأساسي المنظم لقطاع الشباب.
5. مراجعة أوضاع العمل الهشة ووضع حد للاختلالات المرتبطة بالمناولة.
6. تحسين الأجور والتعويضات والحقوق الاجتماعية والمهنية.
7. إقرار منظومة واضحة للتكوين والتحفيز والترقي والتطوير المهني.
8. ضمان ظروف العمل اللائق واحترام الكرامة والحقوق.
رابعًا: على مستوى العدالة الاجتماعية
1. تحقيق الإنصاف في الأجور مقابل العمل.
2. ضمان الحق في العطل والراحة.
3. ضمان المساواة في الاستفادة من الوثائق الإدارية.
4. ضمان الاستفادة العادلة من خدمات مؤسسة الأعمال الاجتماعية.
5. تحقيق تكافؤ الفرص في التكوينات والتعويضات.
6. إرساء قواعد منصفة لتوزيع المهام والمسؤوليات.
7. معالجة جميع أشكال التمييز أو الإقصاء غير المبرر.
8. تعزيز الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني.
خامسًا: على مستوى الحكامة والتدبير
1. اعتماد حكامة تشاركية وشفافة داخل مؤسسات الشباب.
2. تحديد المسؤوليات والاختصاصات بشكل واضح.
3. ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق قواعد الإنصاف واحترام القانون.
4. إرساء منظومة للتقييم والتتبع وقياس أثر البرامج.
5. تعزيز التواصل بين الإدارة والأطر والجمعيات والأندية.
6. معالجة الاختلالات الإدارية والمهنية وفق مقاربة مؤسساتية قائمة على الحوار والإنصاف.
7. فتح نقاش عمومي حول واقع قطاع الشباب وآفاق إصلاحه.
سادسًا: على مستوى المعرفة والبرامج
1. إحداث مرصد وطني للشباب أو مركز متخصص للدراسات والأبحاث.
2. تطوير برامج تتلاءم مع حاجيات الشباب الفعلية.
3. تعزيز التكوين في المجالات الرقمية والتكنولوجية والابتكارية.
4. إشراك الشباب في اقتراح البرامج وتقييمها.
5. اعتماد مؤشرات علمية لقياس الأثر الاجتماعي والتربوي للأنشطة.
6. تطوير الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث ومؤسسات المجتمع المدني.
المحور الحادي عشر: المطالب الاستعجالية بشأن ملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي
إننا نقف اليوم أمام ملف اجتماعي ومهني لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل أو التدبير الظرفي أو الحلول الجزئية.
لقد طال الانتظار، وتراكمت المعاناة، وأصبحت الحاجة إلى قرار سياسي ومؤسساتي شجاع أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ومن هذا المنطلق، فإننا نطالب بشكل مستعجل وآني بما يلي:
1. الحل النهائي لملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي بقطاع الشباب.
2. الإدماج المباشر للأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي في قطاع الشباب، بما يضمن الاستقرار المهني والاجتماعي ويحفظ الحقوق المكتسبة.
3. إدماج الفئات المعنية ضمن النظام الأساسي المنظم لقطاع الشباب، من خلال إطار قانوني واضح ومنصف يستجيب لطبيعة مهامها ومسؤولياتها.
4. رفض استمرار شركات المناولة باعتبارها حلًا دائمًا لتدبير الموارد البشرية، والعمل على إنهاء هذا النموذج في ارتباط بتسوية وضعية الأطر المعنية وضمان استمرارية المرفق العمومي.
5. فتح حوار جاد ومسؤول ومؤسساتي حول الملف، مع تحديد التزامات واضحة وآجال زمنية للتنفيذ.
6. إقرار مبدأ الإنصاف والمصالحة داخل قطاع الشباب، ومعالجة الاختلالات التي راكمت الإحساس بالحيف والإقصاء لدى عدد من العاملين.
7. الإنصاف والمصالحة مع فئة الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي، والاعتراف بمجهوداتها وتضحياتها ومساهمتها في استمرارية مؤسسات القطاع.
8. ضمان جميع الحقوق الاجتماعية والمهنية، بما فيها الأجور والتعويضات والعطل والتكوين والاستفادة من الخدمات الاجتماعية والوثائق الإدارية.
إننا نؤكد أن معالجة هذا الملف ليست مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة الاجتماعية، ومدى استعداد المؤسسات لتحمل مسؤولياتها تجاه الفئات التي ساهمت في ضمان استمرارية المرافق العمومية.
إن الحل العادل والمنصف لهذا الملف ينبغي أن يكون حلًا نهائيًا، واضحًا، ومؤطرًا قانونيًا ومؤسساتيًا، لا مجرد وعود أو تسويات مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة.
المحور الثاني عشر: النضال والحوار والمسؤولية.. من أجل حل عادل ومنصف
إن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية للأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي حق مشروع، وهو جزء من الدفاع عن كرامة العمل والعدالة الاجتماعية.
ونحن نؤمن بأن الحوار الجاد والمسؤول يشكل مدخلًا أساسيًا لحل الملفات العالقة، غير أن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، بل يجب أن يكون وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة.
كما أن النضال الواعي والمنظم يظل آلية مشروعة للترافع عن الحقوق، والدفاع عن المطالب، ومواجهة كل أشكال التهميش والإقصاء.
إن المرحلة تقتضي وحدة الصف، وتغليب المصلحة الجماعية، والالتفاف حول المؤسسات والتنظيمات التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن الملف، مع التحلي باليقظة تجاه كل محاولة لاستغلال معاناة الأطر أو توظيف قضيتهم بعيدًا عن أهدافها الحقيقية.
ونؤكد أن القضية أكبر من الأشخاص والمواقع والمصالح الظرفية، وأن وحدة المطالب ووضوح الأهداف واستقلالية القرار النضالي هي أساس قوة الترافع.
إننا لا نبحث عن صراع من أجل الصراع، ولا عن خصومة مع أي جهة، بل نبحث عن الإنصاف، وعن حل يحفظ الكرامة ويضمن الاستقرار ويعيد الاعتبار للإنسان داخل المؤسسة.
لا مساومة على الكرامة، ولا تنازل عن الحقوق المشروعة، ولا إصلاح حقيقي دون عدالة اجتماعية.
خاتمة: أي مستقبل نريد لقطاع الشباب؟
إن مستقبل قطاع الشباب لا يمكن أن يبنى بالقرارات الجزئية أو البرامج الموسمية أو المشاريع المعزولة، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة، وإرادة سياسية واضحة، واستثمار حقيقي في الإنسان والمؤسسات.
إننا نريد قطاعًا قويًا، يمتلك هوية واضحة ورسالة مجتمعية محددة، ومؤسسات حديثة وفاعلة، وبرامج تستجيب لتحولات الشباب، وموارد بشرية كافية ومؤهلة ومحفزة، وحكامة قائمة على الشفافية والتشاركية والإنصاف.
نريد مؤسسات شباب لا تكتفي بفتح أبوابها، بل تفتح آفاقًا أمام الشباب.
نريد أطرًا لا تشتغل في ظروف الهشاشة والضغط، بل تعمل في بيئة مهنية تحفظ كرامتها وتثمن كفاءاتها.
نريد إدارة تنصت وتحاور وتنصف، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره فرصة للتطوير وليس مصدرًا للإقصاء.
نريد سياسة عمومية تنطلق من حاجيات الشباب، وتستند إلى المعرفة والتخطيط والتقييم، وتترجم الالتزامات إلى نتائج ملموسة.
ونريد عدالة اجتماعية لا تستثني أحدًا، ولا تجعل الحقوق امتيازات متفاوتة بين العاملين داخل القطاع الواحد.
إن إصلاح قطاع الشباب وإنصاف موارده البشرية مساران متلازمان، لا يمكن الفصل بينهما أو التضحية بأحدهما من أجل الآخر.
فلا معنى لبناية حديثة دون إنسان يؤطرها، ولا معنى لبرنامج طموح دون موارد بشرية تنفذه، ولا معنى لشعارات العدالة الاجتماعية دون إنصاف العاملين الذين يسهرون على تنفيذ السياسات العمومية.
ومن هنا، فإننا ندعو إلى فتح نقاش عمومي وطني مسؤول حول واقع قطاع الشباب، بمشاركة جميع المؤسسات والفاعلين والأطر والنقابات والجمعيات والباحثين والشباب، من أجل بلورة تصور مشترك للإصلاح، وتحويل المطالب إلى التزامات، والالتزامات إلى قرارات، والقرارات إلى نتائج.
إننا نثمن المكتسبات، ونقر بالمجهودات، ونؤمن بإمكانية البناء عليها، لكننا نؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شجاعة سياسية، وقرارات منصفة، ورؤية استراتيجية تتجاوز التدبير اليومي نحو الإصلاح البنيوي.
إننا لا ندافع عن فئة ضد فئة، ولا عن مؤسسة ضد مؤسسة، بل ندافع عن قطاع قوي، وعن إنسان كريم، وعن سياسة عمومية عادلة وفعالة.
فالشباب يستحق مؤسسات في مستوى طموحاته، والأطر تستحق الإنصاف والتقدير، والوطن يستحق سياسة عمومية تستثمر في الإنسان باعتباره أساس التنمية وغايتها.من أجل قطاع شباب قوي وفاعل.
من أجل مؤسسات حية وقريبة من الشباب.
من أجل موارد بشرية منصفة ومؤهلة ومحفزة.
من أجل الحل النهائي والعادل لملف الأطر المساعدة وأطر التنشيط التربوي.
من أجل العدالة الاجتماعية والمهنية داخل قطاع الشباب.
من أجل سياسة عمومية منصفة وفعالة وناجعة.
النقاش العمومي طريق الخلاص
نثمن المكتسبات، نشخص الاختلالات، نترافع من أجل الإنصاف، ونناضل من أجل الإصلاح.
من أجل الشباب، من أجل الإنسان، ومن أجل الوطن.