نريد مغربا جديدا بعقلية قديمة

تحقيقـ24 تحقيقـ24

في وطننا العزيز، نريد أن ترتفع الأجور، وتنخفض الأسعار، وتتحسن المدرسة العمومية، وتصبح الخدمات الصحية في مستوى تطلعات المواطنين ، نطالب بفرص شغل أوسع وعدالة اجتماعية حقيقية، لكننا نغفل أحيانا أن بناء مغرب أفضل لا يتطلب إصلاح السياسات فقط، بل يستدعي أيضا مراجعة بعض الأفكار والسلوكيات التي تعرقل التغيير.

نشتكي من غلاء المعيشة، بينما تدفعنا ثقافة المظاهر أحيانا إلى استهلاك يتجاوز إمكانياتنا. ونطالب بتوفير فرص العمل، لكن بعضنا لا يزال ينظر إلى المهن الحرفية نظرة دونية، وكأن النجاح لا يتحقق إلا خلف مكتب وفي وظيفة إدارية، إنها مفارقات تكشف الفجوة بين ما نطالب به وما نمارسه.
غير أن القدرة الشرائية ليست مسألة سلوك فردي فحسب ، فهي ترتبط بالأجور والأسعار وفرص الشغل والمنافسة في الأسواق.

لذلك لا يجوز مطالبة المواطن بالتكيف الدائم مع الغلاء، بل ينبغي اعتماد سياسات تحمي دخله، وتحارب الاحتكار، وتوفر شروط العيش الكريم.

وعلى المستوى الاجتماعي، نريد جيلا متعلما ومبدعا، لكننا لا نشجع دائما على السؤال والنقاش، نطالب بحرية الرأي، ثم ننزعج حين يخالفنا أحدهم، ونرفع شعارات الديمقراطية بينما يصعب علينا أحيانا قبول الاختلاف داخل الأسرة أو في محيط العمل.

وتظهر المشكلة بوضوح حين تتحول بعض العادات إلى قواعد لا تقبل النقاش ، فالشاب الذي يراجع فكرة موروثة قد يتهم بالتقليد الأعمى للغرب، ومن يطالب بالشفافية قد ينصح بألا يتدخل فيما لا يعنيه ، وكأن احترام المجتمع يقتضي تكرار أفكاره، لا التفكير فيها ومناقشتها.

لكن تغيير العقليات لا يتحقق باتهام الناس بالتخلف، بل بتعليم يشجع التفكير النقدي، وإعلام يساعد على الفهم، ومؤسسات تضمن تكافؤ الفرص وتحترم القانون ، فمن الصعب أن نطالب المواطن بالإيمان بالكفاءة إذا لم يجدها أساسا للتوظيف، أو بالثقة في المؤسسات إذا لم يشعر بالإنصاف.

إن التقدم الاقتصادي والاجتماعي مسؤولية مشتركة، تبدأ بإصلاح السياسات وتوفير شروط العيش الكريم، وتتواصل بمراجعة السلوكيات والأفكار التي تحد من المبادرة وتحاصر الاختلاف ، فلا يكفي أن نطالب بمستقبل أفضل، إذا كنا نرفض كل تغيير يمس عاداتنا وطريقة تفكيرنا.

نريد أن ترتفع الأجور، وتنخفض الأسعار، وتتقدم البلاد، لكننا ننسى أن التغيير يحتاج إلى إصلاح السياسات ومراجعة العقليات معا، فالوطن لا يتقدم بالشعارات، ولا تتحسن المعيشة بالخطب، ولا يبنى المستقبل بأفكار ترفض التحديث ، مشكلتنا أننا نريد مغربا جديدا بعقلية قديمة، ثم نتساءل باستغراب: لماذا تأخر التقدم عن موعده؟

بقلم يوسف بولمــــان كاتب وصحافي مغربي

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

about us

نحن نؤثر على 20 مليون مستخدم ونعتبر شبكة أخبار الأعمال والتكنولوجيا رقم واحد على هذا الكوكب.

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.