مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تفرض مسألة حضور الأطفال في الحملات الدعائية نفسها ضمن القضايا التي تستحق نقاشًا جديًا، ليس فقط من زاوية حماية الطفولة، وإنما أيضًا من زاوية احترام قواعد المنافسة الانتخابية وأخلاقياتها.
وحسب مصادر جريدة تحقيقـ24، فقد لوحظ في عدد من المناطق بإقليم تيزنيت، من بينها مدينة تافراوت وجماعات ترابية أخرى، وجود قاصرين يرتدون شعارات مرتبطة بأحد الأحزاب السياسية ويشاركون في توزيع منشورات تابعة للحزب، وهي معطيات تطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الحضور وما إذا كان يدخل في إطار مشاركة عفوية، أم يرتبط بتنظيم واستعمال القاصرين في أنشطة دعائية.
ولا يعني وجود طفل بالقرب من تجمع انتخابي، أو مرافقته لأحد أفراد أسرته، بالضرورة وجود مخالفة؛ إذ يقتضي التناول المسؤول للموضوع التمييز بين الحضور العادي والعفوي للأطفال، وبين إشراكهم بصورة منظمة ومتعمدة في أنشطة انتخابية موجهة للترويج لمرشح أو حزب.
وتكتسب المسألة حساسيتها من كون الطفل لا يملك، بحكم سنه، الأهلية القانونية للمشاركة في الاقتراع، بينما قد يتحول في المقابل إلى وسيلة للتأثير في اختيارات الناخبين من خلال حمل المنشورات أو الشعارات أو المشاركة في الأنشطة الدعائية.
فالطفل الذي يحمل منشورًا انتخابيًا لا يعني بالضرورة أنه يدرك مضمونه، كما أن ارتداءه رمزًا حزبيًا لا يمكن اعتباره دليلًا على اختيار سياسي مستقل.
ومن ثم، فإن إدخاله في صلب النشاط الدعائي يثير أسئلة تتعلق بمدى احترام حقه في الحماية من الاستغلال، وبحدود المسؤولية السياسية والأخلاقية للجهات المنظمة للحملات.
وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن جعل حقوق الطفل من بين محاور اشتغاله، كما يواصل تتبع العملية الانتخابية من زاوية حقوق الإنسان، وهو ما يعكس أهمية إدماج حماية الفئات الهشة، ومن بينها الأطفال، ضمن النقاش المتعلق بالممارسات الانتخابية.
كما أن الإطار القانوني المؤطر للانتخابات يفرض احترام مجموعة من القواعد المرتبطة بالحملة الانتخابية وسلامة المنافسة، الأمر الذي يجعل أي ادعاء بوجود ممارسة غير قانونية بحاجة إلى التحقق من الوقائع وتحديد طبيعتها والمسؤوليات المرتبطة بها، بدل إطلاق أحكام مسبقة على أساس صور أو مشاهد معزولة.
وفي هذا السياق، فإن السؤال لا يتعلق بمنع الأطفال من الوجود في الفضاء العام أو من مرافقة أسرهم خلال الأنشطة الانتخابية، وإنما يتعلق بمدى مشروعية تحويلهم إلى أدوات دعائية، سواء عبر توزيع المنشورات، أو حمل الرموز والشعارات، أو المشاركة المنظمة في المواكب والتجمعات، أو توظيف صورهم ومقاطعهم في المحتوى الانتخابي.
ومن منظور حقوقي وأخلاقي، تظل حماية الطفل مسؤولية جماعية، خصوصًا في مرحلة انتخابية يفترض أن تقوم على البرامج والأفكار وقدرة المرشحين على إقناع الناخبين ببرامجهم ومشاريعهم، وليس على استثمار صورة الطفل أو براءته في التأثير العاطفي في الجمهور.
وفي المقابل، فإن الحديث عن أي جزاء انتخابي محتمل ينبغي أن يبقى مرتبطًا بوجود نص قانوني واضح، وبثبوت المخالفة والمسؤولية عنها، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع.
فلا يمكن تحميل مرشح أو حزب مسؤولية ممارسة لم تثبت علاقته بها، كما لا ينبغي أن تتحول مثل هذه القضايا إلى وسيلة لتصفية الحسابات بين المتنافسين.
ومن هنا، فإن المعطيات التي توصلت بها تحقيقـ24 بشأن ظهور قاصرين في توزيع منشورات حزبية بمدينة تافراوت ومناطق أخرى من إقليم تيزنيت تستدعي، في حال ثبوتها، مزيدًا من التوضيح حول الجهة التي نظمت هذه المشاركة، وطبيعتها، ومدى علم المسؤولين عن الحملات بها.
كما أن نشر هذه المعطيات يقتضي احترام مبدأ الرأي والرأي الآخر، ولذلك تظل أبواب الجريدة مفتوحة أمام الحزب المعني أو أي جهة ذات صلة لتقديم توضيحاتها أو موقفها من الموضوع، بما يضمن التوازن والدقة والموضوعية في معالجة هذه القضية.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات ينبغي أن تكون مناسبة لتنافس البرامج والكفاءات والمشاريع، لا مجالًا لاستعمال الأطفال في الدعاية. فحماية الطفولة ونزاهة العملية الانتخابية مبدآن متكاملان، واحترامهما مسؤولية تقع على عاتق الأحزاب والمرشحين والسلطات والمجتمع ككل.
ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح في إقليم تيزنيت: إذا كان المجتمع يرفض استغلال الطفل في سوق الشغل، فهل ينبغي أن يقبل باستغلال براءته في سوق الأصوات؟