تحت قبة البرلمان وفي أروقة النقاش العمومي، يتجدد الموعد هذه الأيام مع محطة دقيقة وفاصلة: مناقشة مشروع قانون المالية. محطة كان من المفترض أن تكون لحظة فارقة لتقييم السياسات العمومية، ومقارعة الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، وتقديم البدائل الكفيلة بالاستجابة لانتظارات المغاربة في قطاعات حيوية كالتعليم، الصحة، والتشغيل.
لكن، ويا للأسف، وكما أشرتم بصدق، غالباً ما يتم اختزال هذا الاستحقاق التشريعي والسياسي الهام في صخب موسمي وملاسنات تساهم في إفراغ العمل السياسي من نبضه الحقيقي، متجاهلة أن الميزانية ليست مجرد أرقام صماء، بل هي ترجمة مالية لاختيارات مجتمعية كبرى.
قانون المالية: الامتحان الحقيقي للطبقة السياسية
إن انطلاق مناقشة قانون المالية بالبرلمان هذا الأسبوع ليس مجرد إجراء روتيني دستوري، بل هو المحك الأساسي الذي يفرق بين “السياسة بمعناها النبيل” القائمة على التشريع والتخطيط ومراقبة العمل الحكومي، وبين “المزايدات السياسوية” التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
من صخب الملاسنات إلى عمق الأرقام: المفروض في النقاش البرلماني حول الميزانية أن ينصب على نجاعة الاستثمارات العمومية، وعدالة توزيع الثروة، والقدرة الشرائية للمواطنين، ومدى أجرأة ورش الدولة الاجتماعية (التعويضات العائلية، إصلاح المنظومة الصحية، إصلاح التعليم).
أما الانشغال بالمعارك الجانبية فهو هروب مقنع من مواجهة الأسئلة الصعبة التي يطرحها الشارع.
الحكومة والمعارضة.. تكامل الأدوار لا تكسير العظام: مناقشة القانون المالي ليست فرصة لتسجيل نقاط سياسية ضيقة أو لتصفية الحسابات، بل هي فضاء لمساءلة الحكومة عن جدوى سياساتها ومشاريعها.
المعارضة القوية تقدم بدائل اقتصادية واضحة وتفند الأطروحات الحكومية بالمنطق والأرقام، والأغلبية تدافع عن خياراتها بموضوعية ومسؤولية بعيداً عن الغرور أو الاستعراض المجاني.
استعادة هيبة المؤسسات: المؤسسة التشريعية هي مرآة لوعي الأمة ونضجها الديمقراطي. وتحويل نقاشاتها إلى “حلقات فرجة” يساهم بشكل مباشر في تعزيز العزوف السياسي وفقدان الثقة في الجدوى من العمل الحزبي والبرلماني برمته.
نحو ممارسة سياسية ترقى لانتظارات المجتمع
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس هو من سيربح معركة الكلام أو من سيلتقط الصورة الأفضل على منصات التواصل الاجتماعي، بل الرهان هو:
التركيز على القضايا الحقيقية: أين نحن من معضلات التشغيل؟ كيف ستتعامل المالية العمومية مع الإكراهات الاقتصادية والظرفية؟ وما هي الحلول العملية لدعم القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة؟
صناعة الثقة: استعادة الثقة في العمل السياسي لا تاتي بالخطابات الشعبوية، بل بالوضوح والصدقية وتقديم أجوبة واقعية قابلة للقياس والتنفيذ.
الارتقاء بالخطاب البرلماني: ليكون قبة للتشريع الرصين والنقاش العقلاني الذي يحترم ذكاء المواطن ويخدم المصلحة العليا للوطن.
فبدل أن يتحول النقاش حول قانون المالية إلى “زوبعة في فنجان”، الأمل يبقى قائماً في أن تتحلى مختلف الحساسيات السياسية بالمسؤولية التاريخية، وتجعل من قبة البرلمان فضاءً لإنتاج السياسات العمومية الحقيقية التي تنفع الناس وتمهد الطريق لمستقبل أفضـل