أثارت عناوين متداولة في بعض المنابر الإعلامية، خلال الأيام الماضية، جدلا واسعا بعدما قدمت قرارا تنظيميا يتعلق بسيارات نقل الأموات على أنه خطوة لمنع أو حذف “الشعارات الدينية”. وقد ساهمت الصياغة الصدامية لهذه العناوين في خلق انطباع عام بوجود توجه يمس الرموز الدينية أو الهوية المجتمعية، في حين أن العودة إلى النصوص القانونية المنشورة بالجريدة الرسمية تكشف بوضوح عن قراءة مغايرة تماما، تستند إلى منطق التنظيم الصحي والمهني لا غير.
يندرج هذا النقاش في إطار قانوني منظم صدر منذ سنة 2022، ويتمثل في المرسوم رقم 2.22.218، الذي وضع قواعد دقيقة لمعاينة الوفاة، وتسليم رخص الدفن، وتنظيم نقل الجثث، خاصة في الحالات التي يتم فيها النقل خارج المجال الترابي للجماعة أو الإقليم أو العمالة. ويهدف هذا المرسوم إلى ضبط المساطر الإدارية وتحديد المسؤوليات القانونية، لا سيما في حالات الوفاة غير الطبيعية أو المشتبه فيها، حيث يشترط صراحة الإدلاء بإذن صادر عن السلطة القضائية المختصة، وهو ما يؤكد الطابع الرقابي والاحترازي للنص.
وفي السياق نفسه، صدر القرار المشترك رقم 1250.25 لسنة 2025 عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة، والذي جاء ليحدد معايير الصحة والسلامة الواجب احترامها أثناء نقل الجثث. وقد ركز هذا القرار على الجوانب التقنية المرتبطة بمواصفات سيارات نقل الأموات، من حيث التجهيز الداخلي، ووسائل التبريد، وشروط النظافة، والوقاية الصحية، بما يضمن احترام كرامة المتوفى وسلامة العاملين والمحيط.
ويلاحظ أن النص القانوني استعمل لغة إدارية عامة، حيث نص على منع وضع أي كتابات أو عبارات على سيارات نقل الأموات، أيا كان نوعها، مع استثناء محدد يتمثل في عبارة “نقل الأموات” وشريطين باللون الأخضر. ولم يرد في القرار أي ذكر للشعارات الدينية، أو للرموز العقائدية، أو لأي مضمون ذي طبيعة إيديولوجية، ما يجعل ربطه مباشرة بمحاربة الرموز الدينية تأويلا خارج سياقه التشريعي.
ويبرز هنا الفرق الجوهري بين قرار يستهدف محتوى بعينه، وهو ما لم يرد في النص، وبين قرار يهدف إلى توحيد الهوية البصرية والمهنية لمركبات تؤدي خدمة عمومية حساسة. فسيارات نقل الأموات، بحكم طبيعتها، ليست فضاء للتعبير الرمزي أو التنافس البصري، بل وسيلة مهنية يفترض أن تتسم بالحياد والوقار، تماما كما هو الحال بالنسبة لسيارات الإسعاف أو الوقاية المدنية.
غير أن ما رافق صدور القرار من تغطية إعلامية اتسم، في بعض الحالات، بالانتقائية في العرض، حيث جرى التركيز على جزئية تقنية معزولة، وتقديمها في قالب صدامي مشحون بالدلالات الدينية، ما أدى إلى تحويل نقاش تنظيمي هادئ إلى سجال عاطفي واسع. وبهذا الانتقال، انتقل النقاش من فضاء القانون والصحة العامة إلى فضاء التأويل الرمزي والاستقطاب.
ويعكس هذا المسار إحدى آليات التضليل الإعلامي، التي لا تقوم بالضرورة على اختلاق الوقائع، بل على إعادة تأطيرها خارج سياقها الأصلي، وإلباسها دلالات لم يتضمنها النص. فبدلا من مساءلة مقتضيات السلامة، وشروط نقل الجثث، ودور القضاء في حالات الوفاة المشبوهة، انصرف النقاش إلى قضايا هامشية ذات حمولة وجدانية، أزاحت الأسئلة الجوهرية عن مركز الاهتمام.
إن قراءة النصوص القانونية في سياقها الكامل تؤكد أن الغاية من القرار المشترك هي تنظيم قطاع مهني، وضمان احترام المعايير الصحية، وصيانة كرامة الموتى، دون أي مساس بالرموز الدينية أو القناعات الفردية. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة التحقق من المصادر القانونية، وتفادي اختزال النصوص التنظيمية في عناوين مثيرة قد تساهم في تشويش النقاش العمومي بدل ترشيده.