“تكنو بارك” و”مدينة الابتكار”: الفرص الضائعة أمام اقتصاد المعرفة بسوس ماسة.

تحقيقـ24 تحقيقـ24

 

في قلب جهة سوس ماسة، التي تمتلك مقومات اقتصادية واضحة تشمل فلاحة تصديرية متطورة، تجارة نشطة، موقعا لوجستيـا استراتيجيـا، وانفتاحـا طبيعيا على الأسواق الإفريقية والأوروبية، كانت مشاريع “تكنو بارك” و”مدينة الابتكار” تعد بارقة أمل لتحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي قائم على المعرفة والابتكار. غير أن الواقع أثبت أن هذه المشاريع، رغم حجمها الكبير والشعارات التي رافقتها، لم تحقق التأثير المنتظر على صعيد خلق فرص الشغل أو تنمية الاستثمارات.

المفارقة أن هذه المشاريع صممت كنسخ من نماذج جاهزة، دون مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للجهة، ودون تكييف مع الخصائص الجوهرية (DNA) الاقتصادية لسوس ماسة. فبدل أن تبنى منظومة متكاملة من الشركات والابتكار والمستثمرين، قدمت على شكل بنايات حديثة ومساحات مكتبية وحاضنات معلنة، لكنها افتقرت إلى الطلب السوقي الفعلي و”سيرورة المشاريع (Deal Flow)” و”الشركات القاطرة” القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. ونتيجة لذلك، أصبحت الفضاءات شبه فارغة، النشاط متقطعا، وأثرا اقتصاديا ضئيلا يصعب قياسه.

 

مدينة الإبتكار بأكادير
مدينة الإبتكار بأكادير

كما غابت المرونة في الحكامة، إذ ظلت هذه المشاريع تدار بمنطق إداري تقليـدي، بعيدا عن ديناميات ريادة الأعمال وروح المخاطرة المحسوبة التي تشكل جوهر الابتكار الناجح. بدل أن تكون منصات مفتوحة أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة، تحولت إلى مشاريع مؤسساتية قائمة على الدعم العمومي، دون ربط فعلي بالسوق والطلب الاقتصادي الحقيقي.

تيكنو بارك
تيكنو بارك

التجارب الدولية تؤكد أن نجاح مدن الابتكار لا يتحقق إلا عندما تتفاعل مع سوق فعلي، شركات تطلب الحلول، ومستثمرون يبحثون عن فرص، ومقاولات تتعامل مع مشاكل واقعية. وبجهة سوس ماسة، ظل هذا الرابط مفقودا، خصوصـا في القطـاعات التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، كــالتجارة، التصدير، والخدمات اللوجستية.

ويبقى التساؤل الكبير: لماذا لم يتم تصحيح المسار في الوقت المناسب؟ ولماذا لم تـبنى شـراكات تشغيلية مع أقطاب اقتصادية كبرى كـالدار البيضاء وطنجة، مع توظيف سوس ماسة كمنصة للتسويق والعبور نحو الأسواق الإفريقية؟

وإن استمرار الوضع الحالي يعني أن الابتكار سيظل مجرد شعار، لا أداة لخلق قيمة فعلية. أما إن أرادت الجهات المعنية إنقاذ هذه المشاريع، فيجب تحويلها من واجهة إسمنتية إلى منصة أعمال حقيـقية، ومن منطق الدعـم العمومي إلى منطق السوق والعقود، مع ربطها باحتياجات الاقتصاد المحلي. دون هذا التحول، ستظل تجربة “تكنو بارك” و”مدينة الابتكار” مثالا على كيف يمكن لفـكرة واعدة أن تفشل عندما تـفرغ من مضمونها الواقعي.

 

اترك تعليقا *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يمكن نسخ هذا المحتوى.